مستنقعات وحمى.. ناقوس خطر بيئي يقرع بتونس

بقايا حطام أثاث بشوارع محافظة نابل تشكل مع البرك الآسنة محضنا للبعوض (الجزيرة)
بقايا حطام أثاث بشوارع محافظة نابل تشكل مع البرك الآسنة محضنا للبعوض (الجزيرة)

خميس بن بريك-تونس

يأتي الشاب الثلاثيني كمال الشطي كل يوم لتفقد منزله بمنطقة سَريّج المحاذية لوادي الشرقي بمدينة "مساكن" بمحافظة سوسة (وسط). وقبل حلول الظلام وانتشار الحشرات اللادغة هناك، يعود أدراجه لمنزل آخر استأجره للإقامة مع زوجته وولديه بأمان بعيدا عن ذلك المكان.

وفي مدينة "مساكن" حيث سُجلت أول حالة وفاة جراء حمى غرب النيل، تشكل الأودية هناك معقلا رئيسيا للمستنقعات الضحلة ومخلفات مواد البناء والمواد المتعفنة، في وقت يسيطر الخوف على الأهالي خشية انتشار الأوبئة والأمراض جراء كثافة البعوض اللاسع.

وقبل أيام، لجأ كمال للطبيب ليفحص حالته الصحية بعد تعرضه للدغة بعوضة تسببت بانتفاخ كبير على مستوى خده الأيمن فتيبس حتى أصبح لا يشعر به. ورغم أن المراهم التي استعملها أعادت خده لطبيعته فإن أثر تلك اللسعة السامة بقي راسخا بتجاعيد وجهه حتى اليوم.

ويُعد وادي الشرقي القريب من منزله ومن التجمعات السكنية المحيطة به خطرا حقيقيا على صحة الساكنين هناك، مع تأخر عمليات إزالة الفضلات المعرقلة لتدفق مياه الأمطار في مجرى الوادي مما أدى إلى بروز مستنقعات آسنة تعج بالبعوض المخيف ذي اللسعات المعدية.

أشغال تنظيف الوادي بمحافظة نابل تسير بشكل بطيء لكثرة الأوحال (الجزيرة)

تخاذل
ينبش كمال بذاكرته مسترجعا قبل عقود تدفق وادي الشرقي بسهولة وسط المزارع الخضراء المحيطة به، لكن الوضع تغير بسبب "جشع" سكان أصبحوا يقتلعون مساحات من الوادي ويردمونها بمخلفات مواد البناء لإقامة منازل عليها مما أدى إلى انحسار المياه وبروز برك ضحلة.

ويحمّل الرجل مسؤولية انتشار الأوبئة بمنطقته إلى البلدية لتخاذلها في القيام بتنظيف الوادي ورشه بمبيدات الحشرات السامة، وتغافلها عن ردع المخالفين الذين يواصلون حتى الآن ردم مساحات من الوادي بالحجارة والمخلفات لبناء مساكن فوضوية دون تعرضهم لأي ملاحقة أو تتبع.

بدوره، يعاني هيكل بن عبد الله رئيس بلدية "مساكن" السابق المقيم بمسكن قريب من وادي الشرقي من خطورة الوضع البيئي هناك نتيجة انسداد مياه الأمطار وإلقاء مياه ملوثة من محطة تطهير حكومية بمجرى الوادي بسبب تعطب آلة الضخ مما فاقم الحشرات والأوبئة.

وبسبب ذلك أصبح عبد الله يخشى على عائلته من إصابتهم بلدغات البعوض السامة في ظل الأخبار عن وقوع عديد الإصابات بحمى غرب النيل، متوقعا أن يزداد الوضع البيئي سوءا إذا لم تتكاتف جهود البلديات والوزارات المعنية لإزالة الفضلات المعرقلة لمجرى الوادي الذي يصب بالبحر.

برك المياه الملوثة تصل لكل مكان بين منطقتي عثرت وحي النزهة في "نابل" (الجزيرة)

تشابه
ولا يختلف الوضع بمدينة "مساكن" عن قلب محافظة سوسة أحد كبرى الأقطاب السياحية بالبلاد حيث تنتشر المخلفات والقمامة بكثير من الأحياء الشعبية. وبمستشفى فرحات حشاد، عاين مراسل الجزيرة نت قدوم العديد من النساء رفقة أولادهن بسبب تعرضهم للدغات سامة من البعوض.

بسمة يوسفي إحدى اللاتي أصابهن الفزع من انتشار حمى غرب النيل بسبب البعوض. وقبل أيام قليلة حملت هذه المرأة ابنيها الصغيرين لذلك المستشفى لفحصهما إثر تعرضهما للدغات بعوض سامة قالت إنها تركت حبوبا حمراء منتفخة بأنحاء متفرقة من جسمهما.

وبعيدا عن سوسة، تزداد معاناة أهالي محافظة نابل الشمالية ليس فقط جراء تضرر منازلهم ومتاجرهم من الفيضانات الطوفانية الأخيرة ولكن أيضا بسبب انتشار الفضلات وبقايا الفرش وحشايا الأسرّة الملقاة بالشوارع، وبروز مستنقعات ملوثة لم يتم تنظيفها بعد حتى الآن.

يسكن الخمسيني رشيد قرب وادي سيدي موسى الذي يقطع عديد التجمعات السكنية بين مدينتي نابل ودار شعبان. وتقبع على طول الوادي كميات كبيرة من الفضلات التي تنبعث منها روائح كريهة تفوح وسط المساكن المجاورة بينما يشتكي الأهالي من إهمال البلدية.

كارثي
ككل يوم، ينهض رشيد باكرا للبحث عن قوارير بلاستيكية ملقاة بالشوارع يجمعها بعربة صغيرة يجرها بدراجة نارية قديمة ليبيعها بسعر زهيد. ومن حين لآخر يتجه إلى البلدية ليشكو من غياب التعويضات بعد الفيضانات الأخيرة وانتشار الأوبئة لكن دون جدوى تذكر.

أما صابر، فيقطع مع عدد من الشبان مئات الكيلومترات بين مدينتي بنزرت وطبرقة الساحليتين بأقصى الشمال بهدف تصوير كل مظاهر الاعتداء على الطبيعة برمي الأوساخ إضافة لجمع جزء من تلك الفضلات كما دأب على فعل ذلك بعديد المناطق.

ويقول للجزيرة نت إنه تفاجأ مرات عدة عند زيارة مناطق ريفية نائية بجمال طبيعتها، ولكن أيضا بأكوام من الأوساخ الملقاة بالجبال والأودية، منتقدا ضعف أداء الشرطة البيئية (جهاز رسمي تم إنشاؤه قبل 18 شهرا) فلم تقم بأي إنجاز يذكر "ما عدا الحصول على الرواتب".

ولا تعتبر مدينتا سوسة ونابل اللتان تضررتا من الفيضانات الأخيرة استثناء بتدهور الأوضاع البيئية، فكل المدن -بما فيها العاصمة تونس- تعاني من تكاثر القمامة وتدفق المياه الملوثة من البالوعات، وانتشار البرك والحشرات وسط حالة من العجز التام من قبل السلطات.

وبالجنوب تعيش عديد المدن هناك وضعا كارثيا على غرار محافظة قابس حيث تتضرر صحة الأهالي من الهواء الملوث ومخلفات المجمع الكيميائي الحكومي التي يلقيها بعرض البحر مما أدى لنفوق الأسماك والسلاحف وتدهور أوضاع البحارة حيث اضطر بعضهم لبيع مراكبه.

ويقول الناشط البيئي صابر حديد للجزيرة نت إن الوضع البيئي كارثي بكل المقاييس بسبب تقصير البلديات والسلطات في تنظيف الأودية وتنظيف قنوات تصريف المياه الملوثة ومكافحة الحشرات، وكذلك غياب الوعي لدى المواطنين الذين يلقون الفضلات بكل مكان.

المصدر : الجزيرة