لماذا تراجعت معدلات الزواج في مصر؟

بات المقدمون على الزواج عملة نادرة في ظل ترد اقتصادي وتعقيدات اجتماعية (الجزيرة)
بات المقدمون على الزواج عملة نادرة في ظل ترد اقتصادي وتعقيدات اجتماعية (الجزيرة)

عبد الكريم سليم-القاهرة

تزامن استلام رشا عبد الستار لوظيفتها الجديدة المرموقة بالقاهرة، مع حفل زفاف شقيقتها الكبرى الذي يشهد عادة احتفالية بإلقاء العروس وراءها باقة ورد، لتتسابق خلفها الفتيات على تلقفها تفاؤلا بأن تكون صاحبة الحظ والتالية لها في الزواج.

لم تُعر رشا ذلك أي اهتمام كعشرات الفتيات مثلها في الحفل، وسط اندهاش والديها اللذين ظنا أن الأمر لا يعدو كونه خجلاً أو كسلاً، لكن الأزمة أعمق فرشا التي تقدم صديق لزوج أختها لخطبتها، فوجئ برفضها الصادم قبل أن تراه، ومع إلحاح الوالدين عليها أقسمت لهما أنها لن تتزوج مطلقاً.

تقول رشا للجزيرة نت إنها عاينت "تجارب عديدة مريرة وفاشلة بين صديقاتها، جعلتها تحذف كلمة الزواج من قاموسها".

وأكد تقرير لجهاز الإحصاء تراجع معدلات الزواج في مصر إلى أقل معدل منذ 2008، وجاء في التقرير أن معدل الزواج عام 2017 بلغ 9.6 حالات لكل ألف من السكان أي (912 ألف عقد زواج جديد).

وقد بلغ معدل الزواج عام 2008 -وفقا للتقرير- 8.8 حالات لكل ألف من السكان أي (660 ألف عقد زواج جديد) وكان تعداد السكان عام 2008 نحو 78 مليون نسمة بينما بلغ عام 2017 نحو 98 مليون نسمة.

أعباء مالية
وتعد الأزمة الاقتصادية من أبرز أسباب إحجام الشباب عن الزواج في ظل الازدياد المستمر في الأسعار وانخفاض قيمة العملة المحلية (الجنيه) مما ساهم في ارتفاع كبير بتكاليف الزواج، الأمر الذي لم يعد الكثير من الشباب قادرا على تحمله.

الشاب علي عزام من محافظة أسيوط (جنوب مصر) أكد أنه تراجع عن فكرة الزواج في الوقت الحالي بعد أن وجد نفسه خاسراً في سباقه المستمر مع الارتفاع اللانهائي في تكاليف الزواج.

ويعد علي أفضل حالاً من أقرانه فقد وجد فرصة عمل كمدرس في الخليج بمقابل مجز، استكمل به بناء شقة الزوجية الواقعة في منزل والده، فلما عاد بمبلغ ظنه كافياً لإتمام "نصف دينه" بتعبير المصريين المجازي عن الزواج، وتوجه لخطبة فتاة رشحها له أقاربه، وجد أن "ادخار الغربة كله لا يكفي المهر المطلوب فقط.

تراجع معدلات الزواج وراءها عوامل اقتصادية واجتماعية (الجزيرة)

وتقضي تقاليد الصعيد بأن يقدم العريس مهرا للعروس لا يقل عادة عن مئة جرام ذهباً عيار 21 (سعر الجرام نحو 35 دولارا) وما يزيد من عدد الجرامات فوق المئة فهو من تقدير العريس لعروسه.

أزمة اجتماعية
وبالإضافة للأسباب الاقتصادية، فقد ساهم الارتفاع الكبير في معدلات الطلاق والخلافات الأسرية التي تملأ ساحات المحاكم -وفقا لمنسقة جمعية سواكو للدفاع عن المرأة والطفل ماجدة أمين- في انخفاض معدلات الزواج في مصر.

وتعتقد ماجدة أمين بوجود "انعدام للثقة بين الشباب في وجود بنات تقيات يصلحن للزواج" من وجهة نظر الشباب، لما مر به من تجارب أفقدته الثقة في الجنس الآخر، وتعزي ذلك لـ "سهولة المتعة الحرام".

وتتهم الباحثة الاجتماعية رانيا هاشم وسائل التواصل الاجتماعي بأنها أتاحت للفرد الظهور بمظهر مثالي جدا، مما خلق نموذجاً قياسيا خيالياً في أذهان الفتيان والفتيات لا يتنازلون عنه أبداً.

وتنتقد الكاتبة علاقات الصداقة المتعددة بين الشباب والفتيات فيما قبل الزواج، لأنه يتيح البدائل أمام الطرفين، مما يدفع كل طرف لإرجاء قرار الارتباط انتظاراً للأفضل، واستمتاعاً بـ "حالة التحلل من القيود الزوجية" مع البحث عن خطط أخرى للحياة بخلاف الارتباط.

وتعتقد أن الشاب أيضاً -مثل أهله- يساهم في تعقيد الأمور، حينما يسعى للبدء مما انتهى إليه والداه من استقرار مادي، فيرجئ الارتباط إلى حين امتلاك كل وسائل الراحة والرفاهية.

بدوره، يعزي استشاري الطب النفسي محمد الحسيني تراجع معدلات الزواج لزيادة الاضطرابات والضغوطات داخل المجتمع مما أدى لاختلال ميزان التواصل الاجتماعي والعلاقات الإنسانية وخصوصا الروابط الأسرية.

وقد نتج عن ذلك الشعور بعدم الأمان عموماً والأمان الاقتصادي خصوصاً -برأي الحسيني- مما انعكس مباشرة على عمليات الترابط، مؤكداً أن ازدياد نسب التراجع نتاج استمرار معدلات هذه الضغوط في الشدة والمدة.

المصدر : الجزيرة