جواز السفر.. الرحلة المرهقة للسوريين في تركيا

مشهد تكدس السوريين أمام قنصلية بلادهم بات عاديا في السنوات التي تلت اندلاع الثورة السورية (الجزيرة)
مشهد تكدس السوريين أمام قنصلية بلادهم بات عاديا في السنوات التي تلت اندلاع الثورة السورية (الجزيرة)

محمد عبد الملك-إسطنبول

كل الجهود التي بذلها الشاب السوري العشريني هشام السمان المتواجد في تركيا لاستخراج جواز سفر من العاصمة السورية دمشق باءت بالفشل، فقد أرسل أوراقه إلى هناك من أجل الحصول على جواز جديد، إلا أن طلبه مشروط بأداء التجنيد العسكري الإجباري ودفع الغرامات التي تتربص بالمرصاد بكل شاب سوري لم يلتزم بذلك.

وأمام هذ الواقع، انتقل هشام للخطة "ب" حيث استعان مجددا بأحد السماسرة الذين يقدمون أنفسهم على أن لهم تواصلا غير مباشر بالقنصلية السورية في إسطنبول والعاملين فيها مقابل نسبة من رسوم حجز المواعيد لهم.

وبحسن نية، طلب الشاب السوري من سمسار ترتيب موعد مستعجل لزيارة القنصلية وأبلغه بأن إقامته السياحية ستنتهي بعد أيام، فكان ذلك مقابل 300 دولار يجمعها السمان للسمسار الذي سلمه في المقابل ورقة تفيد بحجز الموعد بالقنصلية.

وعلى أمل الظفر بجواز سفر جديد، توجه الشاب السوري مفعما بالتفاؤل إلى مقر القنصلية السورية، وفي نهاية يوم مرهق وبعد انتظاره طويلا دخل السمان إلى القنصلية حيث أخبر بأن الموعد المحدد مزور، فلم يكن بيده من حيلة إلا البحث عن مبلغ جديد والمحاولة مرة أخرى.

أما حالة الشاب السوري عمار الحلبي فكانت أكثر تعقيدا بعد أن قضى ثلاث سنوات بالكمال والتمام منذ دخوله تركيا. وكما يأمل في الحصول على جواز سفر لا يملكه حاليا، فإنه يتمنى أيضا ألا تصادفه دوريات الشرطة في شوارع إسطنبول حيث يسكن.

يعجز الحلبي –كما هو حال آلاف السوريين في تركيا- عن توفير التكاليف الباهضة لإصدار أو تجديد جوازات سفرهم في قنصلية بلادهم.

الشوق لسوريا
ومع بؤس هذا الواقع، ضاق الحلبي (25 سنة) ذرعا بالتفكير في إيجاد حل بعد أن تسلل اليأس إليه، وهو ما لخص في حديث للجزيرة نت بالقول "تعبنا، والله إنني أشتاق لسوريا، لذكريات الطفولة، لضيعتنا، ولكل شيء"، كيف يرمي الوطن بأبنائه خارج حدوده؟ "ولا تستطيع أن تمتلك هوية تثبت انتماءك إليه".

وفي السنوات التي أعقبت بداية الثورة إلى اليوم، تصطف طوابير طويلة أمام القنصلية السورية بإسطنبول، وسط موجات البرد القارسة وتحت أشعة الشمس الحارقة أحيانا، ويقضي السوريون من مختلف الأعمار ساعات من العناء كل يوم لاستخراج جوازات السفر وأوراق ثبوتية أخرى.

والتقت الجزيرة نت الحاج الستيني أحمد إبراهيم الذي تعب من الانتظار بعد أن قضى خمس ساعات، فكان أن ذهب إلى أحد المقاهي القريبة من القنصلية لسيتريح قليلا.

300 دولار أميركي هي تكلفة إصدار الجواز من دون احتساب ما يتقاضاه السماسرة (الجزيرة)

الموعد المستعجل
طلب الحاج إبراهيم قهوة تركية، ثم أخذ نفسا عميقا ممزوجا بالوجع وقال "متى سيأتي موعدي؟ أرهقتني رحلة البحث عن تجديد جوازي، اقترضت 300 دولار من أجل دفعها للسمسار الذي أخذ لي هذا الموعد المستعجل عبر موقع القنصلية، واقترضت أيضا 800 دولار من أجل دفع رسوم استخراج الجواز، ذلك ما أعلنته القنصلية رسميا وأصبح علينا دفعه".

في الجهة المقابلة كانت أم محمد تبحث عن معطف لتجنب طفلها الإصابة بنزلة برد قد تضاعف متاعب الحياة عليها، "بالكاد استطعت أن أتدبر مبلغ استخراج الموعد والمجيء إلى هنا من أجل استخراج جواز لابني، طفلاي في المدرسة ولا أعرف كيف سيعودان للمنزل" تقول المرأة السورية وهي تتحسر بعد أن تجاوزت الساعة الواحدة ظهرا ولا يزال في الطابور أعداد كبيرة من السوريين على أمل الدخول للقنصلية.

وإذا حالفها الحظ يتعين على أم محمد أن تنتظر شهرين وربما أكثر للحصول على جواز طفلها، خصوصا أن الموعد الذي تقدمت به هو موعد عادي، مشيرة إلى أن استخراج الجواز مع ما دفعته للسمسار يكلفاها قرابة 600 دولار (300 للسمسار و300 رسوم الجواز).

طوابير الانتظار أمام القنصلية السورية بإسطنبول (الجزيرة)

تكلفة الرسوم
وبينما تستعد للدخول للقنصلية بعد أن ناداها حارس واقف على الباب تساءلت بنبرة تحسر "من أين لي بألف دولار كي أحصل على الجواز المستعجل؟".

ووفق معطيات للجزيرة نت، فإن تكلفة الرسوم التي يتطلبها إصدار جواز سفر في جميع القنصليات السورية بالخارج تتراوح بين 250 و300 دولار للجواز الواحد.

ويختلف المشهد في تركيا التي تستضيف أكبر عدد من اللاجئين السوريين في الخارج، فقد شكل الإقبال الكبير على القنصلية السورية فرصة مناسبة للسماسرة الذين يحجزون المواعيد ولا يمكن لأحد غيرهم القيام بذلك، وكذلك السفارة التي تطلب مبالغ أكبر في المواعيد المستعجلة كما يقول السوريون الذين التقتهم الجزيرة نت.

ولا يتردد أحد الموظفين في القنصلية السورية بإسطنبول في الاعتراف بطبيعة الظروف القاسية التي يعيشيها أكثر من ثلاثة ملايين سوري في تركيا حسب إحصاءات تركية، وقال بالخصوص "هذا النظام المتبع ليس في تركيا فقط ولكنه في جميع القنصليات السورية بالخارج".

المصدر : الجزيرة