الإهمال فاقم نكبتها.. ماذا فعل الفيضان بنابل التونسية؟

فاطمة مع زوجها المنكب على شواء الفلفل الأخضر قرب منطقتهما المنكوبة (الجزيرة)
فاطمة مع زوجها المنكب على شواء الفلفل الأخضر قرب منطقتهما المنكوبة (الجزيرة)

خميس بن بريك-تونس

يفصل وادي سيدي موسى بمحافظة نابل شمال تونس بين منطقتي عثرت وحي النزهة المحاذيتين. تنتمي الأولى لمدينة نابل بينما تتبع الثانية مدينة دار شعبان، لكن فيضان الوادي وَحّد هذه المرة أهالي المنطقتين في الجغرافيا والمأساة عقب الفيضانات الأخيرة.

ينطلق هذا الوادي من أقاصي الجبال الخلفية الواقعة على بعد عشرات الكيلومترات، ويشق لنصفين التجمعات السكنية الفقيرة الواقعة هناك على طول ضفافي الوادي الذي ارتفع منسوبه بشكل مدمر غير مسبوق، وجرف تياره السريع الخاطف أثاث وأمتعة الأهالي المنكوبين فجعلهم كعصف مأكول.

تدل قطع الأشجار المبتورة والنباتات الصفراء اليابسة والحشائش والأوحال العالقة في حواجز الوادي الصدئة على حجم الكارثة الطبيعية، لكنها تشي دون تحامل عن تأخر عمليات التنظيف السريعة بجهر الوادي المليء بالأوحال وقطع الإسفلت المقتلعة بفعل الفيضانات الجارفة.

مشاهد بائسة
يشاهد زائر الأحياء الشعبية البائسة بالمنطقتين حتى اللحظة بقايا الفرش وحشايا الأسرّة الملقاة وأجزاء محطمة من بقايا الأثاث والخزائن الملقاة فوق الطرقات المحفرة والحاوية لبرك مائية متفرقة وملوثة يعج فوقها البعوض وتفوح منها روائح كريهة قرب أطفال صغار يلعبون بشغف الكرة. 

أشغال جهر الوادي تسير بشكل بطيء لكثرة الأوحال (الجزيرة)

يتابع بعض الجيران والأطفال هناك بفضول جرافة صفراء علقت عجلاتها لفترة في عمق الأوحال المعرقلة لمجرى الوادي، قبل أن ينجح سائقها بعناء في إصعادها. والجرافة تابعة لأحد المقاولين الخواص الذين استجلبتهم وزارة التجهيز بعد فترة من الفيضانات لجهر الوادي لكن تقدم الأشغال بطيء.

غير بعيد من هناك تقف الستينية فاطمة قرب زوجها المنكب على شواء الفلفل الأخضر على صفيح الفحم الملتهب لإعداد طبق الفلفل المشوي أو السلطة المشوية أحد المأكولات التقليدية الشهية بمحافظة نابل. وتبدو على الزوجين علامات البؤس والحرمان بينما زادهما الفيضان كمدا على كمد.

يوم وقوع الفيضانات الغامرة قبل أسبوعين لم تكن فاطمة قادرة على العودة لمنزلها من ثكنة أمنية قريبة حيث تعمل منظفة، وبينما كان الخوف يخطف قلبها خشية وقوع مكروه لأولادها الثلاثة وزوجها العجوز المتقاعد كان الأخير يمررهم إلى سطح المنزل بعدما ابتلعت مياه الوادي المنزل وأتلفت كل أثاثه.

تأخر المساعدات
تنفجر دموع فاطمة بسرعة قبل أن تنبس ببنت شفة مؤكدة للجزيرة نت أنها خسرت جل أثاثها وزرابيها بسبب الفيضانات العارمة، قائلة بنفس الوقت إن عائلتها الفقيرة لم تتلق أية مساعدات مالية حكومية عدا فراشين وكلغ من عجين الكسكسي وكلغ من المعكرونة وعلبة طماطم ولترين من الزيت.

جانب من بقايا حطام الأثاث والحشايا الملقاة بالشوارع (الجزيرة)

تتقاسم راضية نفس معاناة فاطمة، فكلتاهما تسكنان على حافة وادي سيدي موسى في منطقة حي النزهة بمدينة دار شعبان إحدى أكثر المناطق تضررا بفيضانات نابل. بغصة وقهر تقول راضية للجزيرة نت إن المياه تفجرت من شبابيك منزلها بفعل الفيضانات وعبثت بجميع محتويات منزلها وأتلفت أثاثها.

تستعد ابنة راضية للزواج بالأشهر القادمة لكن مدخرات زواجها وأثاثها الجديد قضت عليه المياه والأوحال، بينما خسرت الأم كذلك تلفازها وزرابيها وبيت نومها وبقيت تعيش على الوعود كبقية الأهالي المتضررين هناك بلا مساعدات ولا تعويضات عائدين كل يوم خائبين من مقر المعتمدية ومقر الولاية.

وتبدو فعلا منازل أهالي تلك المنطقة المنكوبة خالية وخاوية من الأثاث بينما ظلت آثار ارتفاع منسوب مياه الوادي الفائض بالأمطار وتنفيس السدود مرسوما على جدران الغرف. وينفي الأهالي حصولهم على مساعدات مالية كما قيل مؤكدين أنهم لم يتلقوا أي مساعدات إغاثة خلال اندلاع الفيضانات. 

برك المياه الملوثة تنتشر بكل مكان بين منطقتي عثرت وحي النزهة (الجزيرة)

وأسفرت الفيضانات قبل أسبوعين عن مقتل ستة أشخاص وأضرار جسيمة بسبب الأمطار الغزيرة الفائقة أكثر من 200 ملم. ويطالب الأهالي بتعويضهم عن أضرارهم بحجة أنه تم تنفيس سدود بعيدة تلتحم بواديهم، لكن السلطات تقول إن تنفيس السدود وقع مباشرة في البحر ولم يكن مصدر الكارثة. 

جرفه الطوفان
أمام منزلها المجاور الواقع بضفاف وادي سيدي موسى بمنطقة عثرت أحد الأحياء الشعبية الفقيرة والخطيرة بمدينة نابل، تجلس ابتسام شاردة جامدة كجثة هامدة. لقد كانت أكثر المتضررين بين أهالي حيها بحسب شهادتهم حيث بقي منزلها المستأجر مليئا فقط بالفراغ بينما جرف الطوفان كل ما تملك.

تتخبط هذه الأم لولدين صغيرين في معيشة ضنكا وأوضاع مزرية بعد أن خسرت تلفازها وأثاثها وزوجها الذي هجرها، وكبقية بؤساء حيها لم ينفع تشكيها لدى السلطات المحلية في شيء وكل ما تحصلت عليه حتى الآن وعود وتسويف بتقديم المساعدات لكن لا أحد يعلم موعدها إلا الخالق.

خيرة تؤكد تأخر وصول المساعدات (الجزيرة)

بدورها تؤكد جارتها الخمسينية خيرة للجزيرة نت أن المساعدات الحكومية تأخرت حتى الآن. وخسرت هذه المرأة التي تعيل زوجها المقعد محتويات متجرها الصغير ولكن أملها لم ينكسر بفضل وقوف أهالي منطقتها لجانبها ومساعدتها على ترميم محلها وتنظيف منزلها الملوث بالأوحال كما فعلوا مع بعضهم.

وعقب الفيضانات الأخيرة أعلن رئيس الحكومة يوسف الشاهد جملة من الإجراءات لفائدة المتضررين أبرزها صرف تعويضات للفئات المعوزة، وجبر أضرار الفلاحين والتجار والمؤسسات وغيرها، كما وقع فتح حساب بنكي (1818) لتقبل التبرعات من المواطنين الذين تضررت مساكنهم وأمتعتهم.

المصدر : الجزيرة
كلمات مفتاحية: