الكوميديا السياسية بالعراق.. طريق معبّد بالتهديدات

أثناء عملية مونتاج برنامج "عود شخاط" الذي يناقش الواقع العراقي في إطار كوميدي
أثناء عملية مونتاج برنامج "عود شخاط" الذي يناقش الواقع العراقي في إطار كوميدي (مواقع التواصل)

مروان الجبوري-بغداد

في العراق الذي يضج بالعجائب والغرائب كما يقول أهله، قد لا تكون القنوات الفضائية التابعة للحكومة والأحزاب هي النافذة المناسبة لنقد الأوضاع الحالية بحرية كاملة، وهو ما يدفع بعض الإعلاميين الشباب للتوجه نحو مواقع التواصل الاجتماعي، لتقديم برامج ساخرة بسقوف حرية أعلى من تلك المتاحة رسميا.

وشهد العراق في السنوات الأخيرة ظهور العديد من البرامج الكوميدية التي استطاعت كسر تابوهات سياسية ودينية، كان لا يجرؤ الكثيرون على التصريح بها.

كانت البداية مع برنامج (البشير شو) الذي يقدمه الإعلامي أحمد البشير، والذي اضطر لمغادرة بغداد بعد مقتل والده وأخيه في عمليات مسلحة وتلقيه عدة تهديدات، ليستقر في العاصمة الأردنية عمان ويبدأ مشواره في تقديم نمط جديد يتناول الوضع العام في إطار كوميدي ساخر.

ورغم أن عددا من القنوات قد استضافت البرنامج، فقد ضاقت ذرعا بحجم النقد الموجه فيه، مما دفعها لإنهاء عقدها مع مقدمه وإيقاف برنامجه بعد عدد من الحلقات، كما حدث مع قناتي السومرية و(إن آر تي).

وقد أحدثت تلك الحلقات ضجة في الشارع العراقي بعد تطرقها لشخصيات سياسية ودينية كان نقدها يمثل تجاوزا لخطوط حمراء، بلغت حد التهديد باستهداف حياة المقدم.

لكن التلفزيون الألماني دويتشه فيلله قد بدأ في عرض البرنامج على شاشته، مما أعاده إلى الواجهة من جديد، وجعله البرنامج الأكثر مشاهدة وتأثيرا في الشارع العراقي، وفقا للعديد من استطلاعات الرأي.

تلجأ بعض البرامج إلى تقديم صور غير نمطية للمقدمين مثل برنامج
تلجأ بعض البرامج إلى تقديم صور غير نمطية للمقدمين مثل برنامج "جك من البك" (الجزيرة)

مخاطر حقيقية
وسرعان ما بدأت برامج أخرى بالظهور على الشاشات العراقية وفي مواقع التواصل الاجتماعي، لكنها كانت أقل حدة في النقد مراعاة لشروط هيئة الإعلام والاتصالات الحكومية.

ويأتي في مقدمة هذه البرامج (ولاية بطيخ) الذي يحظى بنسب مشاهدة عالية، لكن طابعه يميل إلى النقد الاجتماعي أكثر.

وتعرض كادر البرنامج العام الماضي لتهديدات عشائرية وهجوم مسلح على بيت مقدمه، بسبب ما وصف بالتهجم على زعيم تاريخي لإحدى عشائر جنوب العراق، مما أدى إلى تدخل جهات سياسية وأمنية لإنهاء الأزمة.

ويرى رئيس مركز الحريات الصحفية هادي جلو مرعي أن هذه البرامج تمثل فسحة ومساحة للمواطنين ليعيشوا حالة من الخيال والأمل مقابل الكبت والقمع الذي يمارس بحقهم من قبل بعض الجهات السياسية.

ويضيف للجزيرة نت أن هذه الكوميديا السوداء تشعر المواطن بما يشبه "الثأر" من هؤلاء الأشخاص الذين لا يستطيع مواجهتهم بنفسه، خاصة تلك الجهات التي تمتلك نفوذا عاليا.

وعن هامش الحرية المتاح داخل العراق، يقول مرعي إنه لا يرقى إلى مستوى الطرح الذي يقدمه المقيمون في الخارج، والذين تتاح لهم فرصة التعبير عن رأيهم بحرية كاملة بلا قيود.

وقد أسهمت البرامج في تنامي حالة الوعي والرفض للطبقة السياسية الحالية كما يؤكد جلو، وأضعفت حضور كثير من الجهات في الشارع، بعدما ثبت تورطها بعمليات فساد ومخالفات قانونية وحقوقية، وهو ما يصب في صالح عملية التغيير على المدى البعيد.

الدوري: سقف الحرية منخفض في العراق ويجب أن تكون الكلمات محسوبة بعناية (الجزيرة)
الدوري: سقف الحرية منخفض في العراق ويجب أن تكون الكلمات محسوبة بعناية (الجزيرة)

كسر التابوهات
وسرعان ما أحدثت هذه البرامج تفاعلا في أوساط الشباب، تجلى ذلك في نسب المشاهدة المرتفعة، وصفحات المعجبين والمتابعين، وانتشار المصطلحات الساخرة المستخدمة في تلك البرامج على ألسنة المراهقين والشباب وحتى كبار السن أحيانا.

وتلجأ بعض هذه البرامج أحيانا إلى تقديم شكل مختلف للمقدم، كما في برنامج (جك من البك) الذي يتميز مقدمه بشاربيه الكثين، وتستخدم لغة بسيطة قريبة إلى الشارع، يصفها البعض بـ"السوقية والمبتذلة" أحيانا.

ويقول عمر راضي، وهو طالب بكلية الهندسة في جامعة بغداد، إن هذه البرامج باتت المتنفس الوحيد للشباب في ظل الظروف التي يعيشونها، والضغط النفسي الذي يتعرضون له جراء الأوضاع السيئة في البلاد.

ويضيف أن صرخات التحذير والترهيب من متابعة هذه البرامج لم تجد لها أي صدى، لأن الذين يخشون منها هم "المستفيدون" من الوضع القائم.

أما كرار نعمة وهو موظف بوزارة الزراعة فيقول إن بعض البرامج قد أحدثت نقلة نوعية في وعي الشباب، خاصة أولئك الذين كانوا يقدسون بعض المعممين والسياسيين.

ويضرب كرار المثل بأحد البرامج التي حذر منها معممون منذ عدة سنوات، وقتها كانت تلك التحذيرات تجد أصداء واسعة لها في الشارع، أما اليوم فقد بات الأمر مختلفا، حيث تتصاعد النقمة على الطبقة السياسية والمتحالفين معهم من "رجال الدين وشيوخ العشائر"، كما يقول.

غياب الدعم
ويواجه بعض من دخلوا هذا المجال عدة صعوبات، أبرزها صعوبات مادية، ما يضطرهم للتعامل مع جهات راعية، ربما تفرض شروطا تتعلق بطبيعة المضمون ونوعه.

ويثير هذا الأمر مخاوف من قيام بعض الجهات السياسية بدعم برامج معينة، يقول البعض إنها استخدمت للإسقاط السياسي، وتشويه سمعة منافسين.

لكن كثيرا من الشباب الذين يعملون في هذا المجال يؤكدون أنهم يغطون تكاليف الإنتاج بأنفسهم، ويواجهون صعوبات كثيرة في سبيل ذلك.

أوس الدوري شاب من بغداد قرر قبل نحو عامين المغامرة بإنتاج برنامج ساخر على نفقته الخاصة، سماه (عود شخاط) قرر أن يتناول فيه قضايا اجتماعية وسياسية، وبدأ في عرض حلقاته على موقع يوتيوب.

يقول للجزيرة نت إنه يستخدم أسلوبا "بناء" في النقد لا يميل إلى التجريح والإسقاط، لأن سقف الحرية منخفض ويجب أن تكون الكلمات محسوبة بعناية، لدرجة أن "العراقي بات يشعر بأنه غريب في وطنه".

ويعاني الدوري من غياب الدعم لبرنامجه، لذا يكتب بنفسه الحلقات ويصورها ويمنتجها ثم ينشرها على يوتيوب، ويتكفل بجميع مصاريف البرنامج بدعم من أسرته.

ورغم أن بعض السياسيين يحاولون التقرب من مقدمي هذه البرامج وتقديم عروض سخية لهم، فإن الدوري يفضل البقاء مستقلا وغير تابع لأي جهة. حتى إنه اضطر مؤخرا إلى إيقاف البرنامج بسبب تعطل الحاسوب الذي يعمل عليه.

المصدر : الجزيرة