رئاسيات مصر.. مسرحية البطل الواحد

رئاسيات مصر.. مسرحية البطل الواحد

المشهد بات خاليا أمام السيسي بعد تراجع شفيق عن منافسته في الانتخابات المقبلة (الجزيرة)
المشهد بات خاليا أمام السيسي بعد تراجع شفيق عن منافسته في الانتخابات المقبلة (الجزيرة)

مجدي مصطفى-الجزيرة نت

احتاج رئيس الوزراء المصري السابق الفريق أحمد شفيق شهرا واحدا من إقامته شبه الإجبارية في جناح خاص بأحد الفنادق الفخمة بالقاهرة بعد عودته أو "ترحيله" من الإمارات ليدرك "حجم الإنجازات" التي تحققت في غيابه، وليعلن أمس قراره النهائي بعدم الترشح للانتخابات الرئاسية في مصر، المقررة في أبريل/نيسان المقبل.

ويبدو بيان شفيق بالعدول عن الترشح أشبه بدعاية انتخابية للفريق عبد الفتاح السيسي للبقاء في منصبه، حتى يتمكن من تحقيق المزيد من "التطورات والإنجازات رغم صعوبة الظروف التي أوجدتها أعمال العنف والإرهاب"، حسب تعبير شفيق.

ثلاثون يوما فقط من الإقامة الفندقية في القاهرة جعلت شفيق يقول "... وبالمتابعة للواقع، فقد رأيت أنني لن أكون الشخص الأمثل لقيادة أمور الدولة خلال الفترة القادمة، ولذلك قررت عدم الترشح للانتخابات الرئاسية المقبلة 2018، داعيا الله عز وجل أن يكلل جهود الدولة في استكمال مسيرة التطور والإنجاز لمصرنا الغالية".

الفئة الناجية
آثر شفيق (76 عاما) الحديث عن الإنجازات، لكنه تجنب الحديث عن تعرضه لضغوط جعلته يتخذ هذا الموقف المفاجئ على الأقل لأنصاره، وذكر أن "تقييم الأوضاع من الداخل يختلف عن الخارج، والظروف الأمنية ومواجهة الإرهاب ليست السبب الوحيد وراء تراجعي عن الترشح، وتراجعي ليس هروبا من المسؤولية، ولكنه ترجيح لمصالح أراها بتقديري الشخصي".

وكما سبق أن نفى أنه تم ترحيله من الإمارات عقب إعلانه عزمه على الترشح للانتخابات الرئاسية المقبلة، نفى شفيق أيضا أن يكون قد تعرض لضغوط لإعلان قراره النهائي أمس بعدم أهليته للتنافس في تلك الانتخابات.

ما نفاه شفيق بشأن ما تعرض له من ضغوط تؤكده شواهد ومصادر مقربه منه، حيث تقول إنه تعرض لضغوط حقيقية لاتخاذ موقفه الأخير، مصدرها جهات سيادية تسعى لخلو المشهد من منافس قوي، وقال أحد المحامين الذين يمثلونه إن الحكومة المصرية أجبرته على الانسحاب من خلال التهديد بالتحقيق في تهم فساد قديمة ضده.

وتأكدت صحة ما قاله محامي شفيق على نطاق واسع من خلال تسريب تسجيلات صوتية للمكالمات الهاتفية من قبل ضابط المخابرات المصرية أشرف الخولي، حصلت عليها صحيفة نيويورك تايمز الأميركية.

وفي إحدى تلك المكالمات حذر الخولي أحد مذيعي التلفزيون من مهاجمة شفيق في برنامجه لأن الحكومة "ما زالت تجري محادثات  معه . وقال"إذا قرر أن يكون معنا، فهو أحد القادة السابقين للقوات المسلحة، ولكن إذا لم يفعل ذلك سنلعن أسلاف والده".

تصريحات الخولي تفسر صيغة بيان العدول الذي يحمل إشادة بإنجازات السيسي، وإن كان لم يذكره بالاسم، وبدا أنه آثر في هذه المرحلة من العمر أن يكون مع "الفئة الناجية" ورمزها السيسي ومؤيديه الذين كانوا يرون في شفيق مصدر إزعاج، خاصة أن لديه خبرة سياسية أكبر من تلك التي يتمتع بها السيسي، كما أنه أحد أبناء المؤسسة العسكرية المهيمنة، ولا يزال قريبا منها.

كما كان يزعجهم أيضا أن فئات عديدة من الرأي العام  في مصر تحن إلى نظام الرئيس المخلوع حسني مبارك، الذي كان شفيق أحد رموزه، وترى أنه كان أفضل على الرغم من كل جوانبه السلبية، معتبرة أن هذا الحنين يمثل مكسبا لشفيق.

حملات الدعاية للسيسي تنشط مبكرا (رويترز)

الإخراج المسرحي
تراجع "الفريق" شفيق جعل المشهد "الخالي" أكثر خلوا "للفريق" السيسي، الذي لم يعلن حتى الآن ترشحه للانتخابات الرئاسية المقبلة، في حين تتكثف حملات النظام الداعية لترشحه والمشيدة بإنجازاته.

لكن هذا لا ينفي أن الانتخابات المقبلة تجعل السيسي -المشغول بإخراج الشكل الذي ستكون عليه- في مأزق حقيقي، فهو يريد منافسا شريطة ألا يكون "فريقا" عسكريا مثله، خاصة إذا كان على عتبات الفوز في الانتخابات الرئاسية التي جرت عام 2012 وهزم بفارق ضئيل أمام محمد مرسي أول رئيس مدني منتخب في مصر، والذي انقلب عليه السيسي وعزله عام 2013.

وفي ظل إحراق ورقة المرشح المحتمل خالد علي مبكرا بإدانته جنائيا، وعقم بقية الأحزاب السياسية التي تبدو ورقية، وعدم وجود شخصية تجمع عليها القوى وطنية، بدا أن الساحة السياسية تم تجريفها تماما لتصبح مجالا للإخراج المسرحي لواقع سياسي عقيم.

وفي هذا الواقع، يجد السيسي نفسه البطل الوحيد للأداء المسرحي، خاصة أنه ليس جديدا عليه، حيث سبق أن انتخب في ما يجمع المراقبون على وصفه "بمسرحية انتخابية هزلية" جرت عام 2014، وفاز فيها بـ 96.9 % من الأصوات في اقتراع لم يكن أمامه منافس حقيقي.

 السيسي جدد فرض الطوارئ لمزيد من تشديد القبضة الأمنية على الشارع المصري (رويترز)

انتخابات الطوارئ
وتمهيدا للعرض الانتخابي المقبل، أصدر السيسي قرارا يقضي بتمديد حالة الطوارئ في مصر ثلاثة أشهر، تبدأ صباح 13 يناير/كانون الثاني الجاري، تزامنا مع الانتخابات الرئاسية.

وبموجب الطوارئ تصبح كل السلطات، بيد السيسي دون فصل في ما بينها، فتصبح الحقوق والحريات في قبضته بحجة محاربة الإرهاب، كما يعطيه أيضا الحق في فرض قيود على حرية الأشخاص في الاجتماع والانتقال والإقامة والمرور، كما يعطيه الحق في مراقبة الرسائل، أيا كان نوعها، ومراقبة الصحف والنشرات والمطبوعات، وكل وسائل الدعاية والإعلان قبل نشرها وضبطها ومصادرتها وإغلاق أماكن طباعتها.

طوارئ السيسي التي تتزامن مع الانتخابات الرئاسية تعد استنساخا للانتخابات الرئاسية في عهد المخلوع مبارك، في ظل حالة الطوارئ، وتؤكد رغبته في المزيد من إحكام سيطرته خلال الأشهر التي تسبقها حتى لا تختلف كثيرا عن سابقتها التي كان السيسي "بطلها الوحيد" قبل أربع سنوات ، ليصبح البطل الوحيد أيضا لسنوات لا يدري أحد عددها. 

المصدر : الجزيرة