نساء بغزة يبرعن في أداء دور "المختار"

لجأت أم عمر إلى فاتن بعد تعثر عدة رجال إصلاح ومخاتير في معالجة مشكلة ابنها لأكثر من عام (الجزيرة)
لجأت أم عمر إلى فاتن بعد تعثر عدة رجال إصلاح ومخاتير في معالجة مشكلة ابنها لأكثر من عام (الجزيرة)

محمد عمران-غزة

بدت الفلسطينية أم عمر مشدوهة بقدرة المختارة فاتن حرب على إدارة دفة جلسة تحكيم مجتمعي بين ابنها المقعد وبين عائلة زوجته المصرة على تطليقها منه، خصوصا أن المختارة نجحت في دحض حجج رجال الإصلاح المؤيدين للفصل النهائي بين الزوجين، بل أقنعتهم بخطأ توجههم عبر طرح مبرراتها وأسبابها الوجيهة لذلك.

ومما زاد من إعجاب أم عمر وغيرها من الحاضرين بجلسة التحكيم، براعة المختارة -بحنكتها وسدها للذرائع وقدرتها على إقناع رجال الإصلاح- بتغيير مسار المشكلة كليا، من موضوع الاتفاق على تفاصيل الطلاق للبحث في متطلبات عودة الزوجة إلى زوجها.

ومع أن الأم اعتادت على التدخل المباشر في تفاصيل مشكلة ابنها، فقد ظلت صامتة هذه المرة وهي ترمق بنظراتها كل سكنة وحركة للمختارة المصرة على رأب الصدع بين الزوجين من دون رفع صوتها أو تهديدها أو ترغيبها كما هي حال رجال الإصلاح، بل باللجوء للإقناع تارة بآية قرآنية وأخرى بمادة قانونية أو بمثل شعبي.

ولجأت أم عمر إلى المختارة فاتن بعد تعثر عدة رجال إصلاح ومخاتير في معالجة مشكلة ابنها لأكثر من عام، قبل أن تنهي المختارة الخلاف بين الزوجين ليستأنفا حياتهما الزوجية بسكينة وهدوء بعد الاتفاق على تنازل الطرفين ومواجهة أي مشكلة تطرأ في حياتهما.

‪أبو رمضان: المصلحات المجتمعيات برعن في معالجة كثير من مشاكل المجتمع‬ (الجزيرة)

قدرات فوق التوقع
ورغم استهجانها فكرة الاستعانة بمصلحة مجتمعية في بداية مشكلتها، فإن أم عمر تؤكد في حديثها للجزيرة نت أن تجربتها كانت كفيلة بتغيير وجهة نظرها تماما، بل جزمها أن المختارات يمتلكن قدرات تتجاوز بكثير المخاتير على إيجاد حلول لمشكلات مستعصية.

ولتوفير تأهيل مناسب يساعد المختارات في عملهن، عمدت مؤسسات حقوقية ونسوية -كالمركز الفلسطيني للديمقراطية وحل النزاعات، ومركز شؤون المرأة وغيرهما- إلى تدريب نحو مئة مصلحة اجتماعية أو مختارة كما يحلو لهن تسمية أنفسهن، بحسب المختارة فاتن حرب.

وشملت عملية التأهيل والتدريب دروات متخصصة في العلوم القانونية والشرعية والعرفية والوساطة ومهارات الإقناع وغيرها، مما ساهم في بروز دورهن بصورة واضحة خلال السنوات الأخيرة في غزة.

بيد أن طريق المختارات لم يكن مفروشا بالورود بل تعترضه الأشواك والعراقيل من كل جانب بحسب حديث المختارة فاتن للجزيرة نت، خصوصا أن المجتمع الغزي يوصف بالمحافظ، كما أنه ليس من السهل قبول اقتحام النساء مجالا ظل حكرا على الرجال كالإصلاح المجتمعي.

وتزيد من صعوبة عمل المختارات بعض القيود التي تحد من تفاعلهن مجتمعيا، والنظرة السلبية لدورهن، وهي نظرة لاحقت المختارة سمية الحنفي بكلمات الاستهجان والاستغراب وحتى صرخات الرفض من بعض الرجال، فكانت تسمع بمجرد تدخلها في أي مشكلة ما معناه "لم يعد في البلد رجال! لم يبق إلا النساء لحل مشاكلنا!".

‪سمية الحنفي: المختارات لا يتلقين أي مقابل مادي نظير تدخلهن‬ (الجزيرة)

الحلول موجودة
لكن المختارة سمية تؤكد للجزيرة نت أن هذه العبارة سرعان من تنقلب لكلمات إطراء وثناء وتعاون، بعدما تنجح المختارات في حل مشاكل عجز رجال الإصلاح عن معالجتها، خصوصا أن أغلب المختارات يمتلكن شخصيات قوية وقدرة على المناورة والوساطة والتأثير وفق تقديرها.

وتجزم المختارة أنها وزميلاتها لا يتلقين أي مقابل مادي نظير عملهن المجتمعي رغم اتساعه وبدئه بالتوعية وتقديم الاستشارات قبل أن يمتد للتدخل وحل المشكلات، وتبين أنها تنطلق في معالجتها للمشكلات الأسرية والمجتمعية من حقيقة مفادها أن الحلول موجودة ولكنها تحتاج لمن يكتشفها.

ورغم إقرار رئيس جمعية مخاتير فلسطين سيف الدين أبو رمضان بدور المرأة في الإصلاح المجتمعي لقدرتها على التواصل مع النساء وحل مشاكلهن بصورة أفضل وأكثر خصوصية، فإنه يميل لتسميتهن بالمصلحات لا المختارات، باعتبار المختار شخصا يتم اختياره من عائلته ليمثلها أمام الناس مع قيامه بمهام الإصلاح، وفق تقديره.

وفي مقابل تأكيد رئيس الجمعية للجزيرة نت أن المصلحات تجاوزن حواجز المجتمع وأصبحن أكثر قبولا، فإنه يتوقع تضاعف أعداد المصلحات خلال الفترة المقبلة لأن المجتمع بحاجة ماسة للاستفادة من قدراتهن على معالجة مشكلات كثيرة، بحسب قوله.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

عكست المشاركة الواسعة للأكاديميين والشخصيات المستقلة في ندوة سياسية بمدينة إسطنبول التركية؛ تمدد المجتمع المدني الفلسطيني في حجمه. لكن الاتهامات لم تتوقف عن غياب الدور وضعف التأثير في صناعة القرار.

المزيد من أسرة
الأكثر قراءة