فقراء ينبشون "القمامة" في غزة

شبان ينبشون في محطة جمع النفايات في القرية البدوية شمال قطاع غزة (الجزيرة نت)
شبان ينبشون في محطة جمع النفايات في القرية البدوية شمال قطاع غزة (الجزيرة نت)
أحمد عبد العال-غزة

تشق أصوات عربات "كارو" قديمة سكون الفجر في شوارع مدينة غزة، قبل أن يتوزع أصحابها -ومعظمهم من الفقراء وكثير منهم أطفال- حول حاويات القمامة وفي مكبات النفايات المركزية لجمع كل ما يمكن بيعه؛ لعل ثمنه الزهيد يسد رمق عائلاتهم.

وفي محطة تجميع النفايات في "القرية البدوية" شمالي قطاع غزة، ينتشر نحو عشرين شخصا -بينهم أطفال- حول أكوام النفايات، ينبشونها بقضبان الحديد وبأيديهم المتشققة بحثا عن المواد البلاستيكية والمعدنية والخردة.

وبين أكوام النفايات لا يكل الأربعيني كمال أبو غنايم عن البحث عن كل ما يصلح للبيع؛ فأسرته مكونة من ثمانية أشخاص، أكبرهم عمره 18 عاما، ولديهم احتياجات كثيرة لا بد من توفيرها.

كمال أبو غنايم يعمل في نبش النفايات لإعالة أسرة من ثمانية أفراد (الجزيرة)

واضطر أبو غنايم للعمل في "نبش النفايات" بعدما جرف الاحتلال الإسرائيلي أشجار "الحمضيات" التي كان يعمل بقطفها في بيت حانون (أقصى شمالي القطاع) قبل عشر سنوات، وهو لا يأبه بالبرد القارس شتاء أو بالحر صيفا لسد رمق أطفاله.

وفي أحسن الأحوال، لا يتجاوز دخل الرجل عشرة شواكل يوميا، وثلاثمئة شيكل شهريا (تسعين دولارا تقريبا). ويقول للجزيرة نت "منذ أسبوع والطحين (الذي يعد منه الخبز) منقطع من البيت، ولا يوجد لديه مصدر دخل سوى بعض المساعدات الموسمية".

ولا تطرق باب بيت أبو غنايم المسقوف بألواح "الإسبست" المتهالكة في بيت حانون أي جهات رسمية أو غير رسمية لتقديم المساعدة، باستثناء المساعدات التي تصله في رمضان.

عمل شاق
على مقربة من محطة تجميع النفايات ذاتها، جلس أطفال يرتاحون حتى تأتي شاحنة نقل النفايات التي تنزل حمولتها في المكب. بلال الشرافي (14 عاما) جلس وقد غطى رأسه بقبعة، ولبس في إحدى يديه قفازا، وفي الأخرى كان يحمل قضيبا حديديا يستعين به لنبش أكوام القمامة بحثا عن المواد التي يمكنه بيعها.

بلال ترك الدراسة واضطر للعمل في جمع النفايات (الجزيرة نت)

يخرج بلال يوميا لجمع النفايات مع أصدقائه، حاملا على ظهره كيسه البلاستيكي الذي يضع فيه ما يجمعه ليوفر قليلا من المال لشراء بعض الطعام لعائلته المكونة من 11 شخصا.

بحزن ممزوج بالغضب، قال بلال وهو يغرس القضيب الحديدي في التراب "والدي لا يعمل وإخوتي الشباب كذلك، واضطرتني الظروف الصعبة لترك الدراسة والخروج يوميا لنبش القمامة".

لا تغيب عن بلال لحظات إصابته جراء قصف منزل عائلته في بيت حانون خلال الحرب الأخيرة على غزة صيف 2014، واستشهاد والدته وشقيقه وابن عمه، ولا يزال يعاني من شظية استقرت قرب قلبه.

لا يلتفت بلال للضرر على صحته ولا للروائح الكريهة؛ فهو لا يسعى سوى لجلب الطعام لعائلته الفقيرة، ويتمنى أن يجد والده فرصة عمل ويعود هو للدراسة مثل باقي زملائه.

نباشون ينتشرون حول شاحننة تفرغ حمولتها في محطة تجميع النفايات (الجزيرة)

قطع حديث بلال فرحة طفلين وجدا كيس بطاطس "شيبس"، قبل أن ينفض الأطفال سريعا للحاق بالشاحنة التي وصلت تضع حمولتها. الطفل عبد العاطي سلامة (15 عاما) هو الآخر يأتي يوميا مع صديقه بلال كي يساعد والده في توفير الطعام، وهو لم يترك الدراسة كصديقه بلال، بل يصر على مواصلتها.

وبنظرات تملؤها الحسرة يصف عبد العاطي الأوضاع الصعبة في غزة في ظل الحصار، ويقول إنه يتمنى أن يجد والده عملا، وأن يشتري هو هاتفا جوالا، وأن يعيش وأقرانه مثل أطفال العالم.

مخاطر صحية
وتحارب بلديات قطاع غزة ظاهرة النبش في النفايات، إلا أن ضيق الحال يدفع العشرات من الشبان والأطفال لمواصلة عملهم.

ووفق مدير عام الصحة والبيئة بغزة عبد الرحيم أبو القمبز، فإن جمع النفايات يتسبب في مخاطر صحية تشمل نقل عدوى الأمراض، والإصابة بمشاكل في الجهاز الهضمي. وتوجد في قطاع غزة ثلاثة مكبات رئيسية كبيرة، كما توجد في كل محافظة محطات لتجميع النفايات قبل نقلها للمكبات الرئيسية.

وتشير إحصائيات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني لعام 2016 إلى وجود نحو 35 ألف عامل من الأطفال بين 10 و17 عاما، ويتوزعون على 28 ألفا في الضفة وسبعة آلاف في غزة التي يفوق معدل البطالة فيها 46%، حيث يبلغ عدد العاطلين 243 ألفا.

المصدر : الجزيرة