بلدة عزون.. غوانتانامو فلسطين

عاطف دغلس-قلقيلية

جدار وست مستوطنات إسرائيلية وخمس بوابات حديدية وأربعة أبراج عسكرية وكاميرات للمراقبة ونقاط تفتيش وحواجز ثابتة ومتحركة، هذه هي الحال الدائمة لبلدة عزون قرب قلقيلية شمال الضفة الغربية، أو "غوانتانامو فلسطين" كما يُسميها أهلها؛ أما الاستثناء فيتمثل باقتحامات يومية واعتقالات وإغلاق شبه دائم للمحال التجارية.

عبد اللطيف أبو هنية واحد من 12 ألف نسمة هم سكان البلدة، تجرَّع وإياهم مرَّ المعاناة، واعتقل وأبناؤه السبعة -"ثامنهم كان بمنأى عن الاعتقال لكونه معاقا"- لذنب لم يقترفوه، واتهامات باطلة بشنّ هجمات على المستوطنين وجنوده الاحتلال في شارع 55 عند مدخل البلدة.

في الليلة الواحدة كان منزل الرجل يُقتحم "ثلاث مرات" أحيانا، وتُصلب عائلته في العراء ساعات طويلة ريثما يتم تفتيشه وقلبه رأسا على عقب، إمعانا في "عقاب جماعي" لم يزل قائما باعتقال اثنين من أبنائه والحكم عليهما بالسجن سنوات طويلة.

يقول الأب المكلوم مواريا وجهه عنا بعد أن دمعت عيناه قهرا: "أحدهما يواجه الموت إضافة للاعتقال"، ويضيف أن جهادا الذي طورد سبع سنوات واعتقل خارج المنزل أضحى مصابا بأمراض عدة أفقدته وعيه.

دفعت العائلة الثمن غاليا، ولم يتوقف الأمرعند الاعتقال، فبحجة "المنع الأمني" يحرمها الاحتلال زيارة أسراها ويمنعها السفر للخارج، حتى وصل به الأمر "لإزالة ملصقات وصور" لأبنائها الأسرى من على أسطح الجدران في البلدة.

‪أبو هنية واحد من أهالي عزون الذين عاشوا معاناة لم تنته بعد‬ (الجزيرة)

لأجل المستوطنين
ليس "العقاب الجماعي" حليف عائلة أبو هنية وحدها، بل عاشه جُلّ أهالي البلدة بشكل أو بآخر، فبالكاد يخلو منزل في عزون من اعتقال أحد أفراده أو عدد منهم، فالاعتقالات "جماعية" وتستهدف الأطفال الصغار، وإن لم يقع الاعتقال يكون الاقتحام لردع الأهالي وإرهابهم "ولأغراض التدريب العسكري" في أحيان كثيرة.

يقول المواطنون إن هدف الاحتلال تعدى الاعتقالات والمداهمات، وإن "إرضاء المستوطنين" هو المقصد من أجل خنق البلدة المعروفة بنشاطها الاقتصادي واحتوائها على أكثر من مئة منشأة تجارية وصناعية.

لا تخدم عزون سكانها فحسب، بل هناك ما يقرب من ثلاثين ألف نسمة من القرى القريبة يتنقلون على طرقها ويستفيدون من خدماتها التجارية وغيرها، فالبلدة تحوي مصرفا وثلاثة صرافات آلية لعدة بنوك ومركبات للإسعاف ومحطة للدفاع المدني والإطفائية، وهو ما تفتقده قرى كثيرة.

يدرك عارف جودة معنى الحصار والتضييق جيدا، فالرجل الذي يدير معملا للحجر عند مدخل عزون قضى أوقاتا طويلة مغلقا محله بفعل اقتحام الجنود والمواجهات مع الشبان التي تحتد وتتسع رقعتها سريعا.

أغلق جودة معمله أياما وأسابيع بفعل ممارسات الاحتلال الذي يتخذ عادة "ذرائع أمنية" لإغلاق البلدة بأكملها.

‪أحد أبراج المراقبة التي نصبها الاحتلال الإسرائيلي بمداخل غزون‬ (الجزيرة)

معاناة البلدة وأهلها لا تقف عند حد معين، فمنذ الاحتلال الإسرائيلي للضفة الغربية عام 1967 واجهت عزون "حملة مسعورة" في استشراء الاستيطان وما تبعه من  الجدار العازل والطرق الالتفافية "والأغراض العسكرية"، لتفقد البلدة أكثر من نصف أراضيها المقدرة بـ25 ألف دونم (الدونم=1000 متر مربع).

في عام 1994 غرس الاحتلال أولى بواباته العسكرية لعزل المواطنين عن بعض أراضيهم الزراعية، ثم زاد في التضييق فنصب أربع بوابات حديدية عند مداخلها ومخارجها ولفها بأبراج المراقبة خدمة لأهدافه العسكرية وإمعانا في إذلال المواطنين.

‪حسن شبيطة وثق عشرات الاعتقالات التي طالت الأطفال‬ (الجزيرة)

خنق وعزل
كحال مدن الضفة الغربية وقراها أضحت عزون في قبضة الاحتلال، و"بضغطة زر" من أحد جنوده تتحول إلى "بلدة أشباح" وتشل حركة سكانها ومعهم آلاف المواطنين من القرى المجاورة، "فالبلدة تتميز بتوسطها لأربع مدن فلسطينية"، يقول حسن شبيطة الناشط في الدفاع عن القرية.

وتوكل لشبيطة مهمة توثيق انتهاكات الاحتلال واعتداءاته، لذا بالكاد تتوقف حركته المكوكية أو يهدأ هاتفه عن الرنين، ولا سيما إذا ما تعلق الأمر بالاعتقالات التي تقترب من مئتي حالة سنويا.

فوفق الرجل، يقبع الآن 180 معتقلا -أغلبهم من الأطفال والشبان الصغار- داخل سجون الاحتلال، وهو العدد "الأعلى" بين المناطق الفلسطينية مقارنة بعدد السكان.

يزيد من خطورة الاعتقالات ما يُرافقها من "منع أمني" للمعتقلين وذويهم، حيث تسحب تصاريح زيارة الأسرى والعمل داخل إسرائيل، لهذا فقد سجلت عزون أكثر من "1500 حالة رفض أمني" وهو ما رفع نسبة البطالة داخلها لأكثر من 40%.

قد يكون ثمن أي حجر يلقى صوب المستوطنين الإغلاق الكامل عدة أيام أو حتى أسابيع، وقبل أقل من شهر عاشت عزون هذه المعاناة، فالاحتلال استطرد في عقابهم جماعيا ليكونوا "نواطير" للمستوطنين الذين ما انفكوا يواصلون سلبهم أراضيهم.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

تحوَّلت أراضي قلقيلية من أرض مقفرة إلى جنة ذات ثمار مختلفة، بعد أن ظلت لسنوات طويلة معزولة خلف جدار الاحتلال العنصري، وزرعت بأشجار امتازت بها قلقيلية دون مدن الضفة الغربية.

من دون سابق إنذار تلقت السيدة الفلسطينية وداد شعث اتصالا هاتفيا من مستشفى وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا) بمدينة قلقيلية يبلغها بإلغاء عملية جراحية كانت مقررة لها.

المزيد من سياسي
الأكثر قراءة