الوصول إلى بغداد.. حلم بعيد لأهالي نينوى

تمارس السيطرات تدقيقات أمنية مشددة على سكان نينوى
عناصر الأمن تمارس تدقيقا مشددا على سكان نينوى (الجزيرة)

الجزيرة نت-الموصل

عند الحاجز الأمني لمنطقة الحويش قرب مدينة سامراء، تتكدس عشرات السيارات القادمة من الموصل (شمال) والمتجهة نحو العاصمة العراقية بغداد، إذ تخضع لتفتيش أمني وتدقيق في الأسماء والهويات.

العشرات يمنعون يوميا من دخول عاصمتهم بسبب هوياتهم التي تشير إلى انتمائهم لمحافظة نينوى، ولا بد من حصولهم على تصريح أمني خاص، أو إحالة طبية رسمية، أو إيفاد من دائرة حكومية، يكون موثقا بشكل كامل. وتزداد هذه التعقيدات يوما بعد آخر.

رامي العبيدي شاب من الموصل (مركز محافظة نينوى) منع من الوصول إلى بغداد وأجبره الجنود على العودة، رغم أنه يحمل إحالة من طبيب مختص للعلاج في العاصمة. يقول رامي بألم "لا يوجد أسوأ من أن يحرم الإنسان من الوصول إلى عاصمته، فعن أي دولة مواطنة يتحدثون؟".

لكن زميله الذي كان يرافقه في السيارة سمح له بالدخول، لأنه كان يحمل خطابا رسميا يطالب القوات الأمنية بالسماح له بالعبور؛ لاشتراكه في مؤتمر تقيمه وزارة الصحة التي يعمل بها.

سيارات القادمين من الموصل تتكدس عند مداخل العاصمة بسبب القيود الأمنية (الجزيرة)
سيارات القادمين من الموصل تتكدس عند مداخل العاصمة بسبب القيود الأمنية (الجزيرة)

ويشعر كثير من أهل الموصل بمزيج من الغبن والغضب بسبب هذه الإجراءات "التمييزية" التي تصر على وصمهم "بالإرهاب".

تقول نجلاء فارس (50 عاما) إنهم أجبروها وبناتها الثلاث على العودة في وقت متأخر ليلا، رغم أنهن مجموعة نساء ولا يشكلن أي خطر أمني، وكن ذاهبات لإكمال معاملة تقاعد حكومي. وتضيف "كانوا يقولون لنا بتشف واضح: خلي داعش (تنظيم الدولة) تنفعكم!".

المزاج الأمني
وتبدأ هذه التشديدات على مشارف مدينة سامراء وحتى دخول بغداد، وإذا حالفك الحظ -كموصلي- بالعبور من حاجز أمني، فإنك على الأغلب لن تعبر الآخر، حيث يخضع العمل في هذه الحواجز في كثير من الأحيان للمزاج الشخصي للضابط أو الفصيل المسلح التابع للحشد الشعبي.

بعض الجنود يقولون إنها أوامر وهم مجبرون عليها، ويحاول بعضهم مساعدة المسافرين على التواصل مع ضباط الجيش والاستخبارات، لكن البعض الآخر يبدو كأن الأمر لا يعنيه رغم وجود حالات إنسانية كثيرة بين المسافرين.

وتبرر الأجهزة الأمنية العراقية هذه التشديدات بالخوف من حصول اختراق "إرهابي" يهدد أمن العاصمة، وتعتبرها ضرورية للحفاظ على سلامة السكان، وأن جميع من خضعوا لعملية التدقيق الأمني وثبتت براءتهم غير مشمولين بهذه التشديدات، على حد قولها.

القادمون من الموصل يتعرضون لتفتيش أمني دقيق (الجزيرة)
القادمون من الموصل يتعرضون لتفتيش أمني دقيق (الجزيرة)

غير أن عضو لجنة الأمن والدفاع البرلمانية شاخوان عبد الله يعتقد أن هذه الممارسات هي التي أوصلت العراق إلى وضعه الحالي، واصفا إياها "بالطائفية" و"العنصرية" و"المناطقية".

ويضيف للجزيرة نت أن هناك كتابا رسميا موجها منذ نحو شهرين من رئيس الوزراء حيدر العبادي إلى قيادة عمليات بغداد والأجهزة الأمنية، يطالبهم فيها بمنع سكان نينوى من دخول العاصمة، وقد ناقشه مجلس النواب وأعلن تحفظه عليه، ورفع توصياته إلى رئاسة الوزراء، لكن دون جدوى.

ويصف عبد الله قرارات الحكومة "بالأحادية"، ولا يتوقع حلا قريبا للمشكلة.

إحراج للساسة
ويبدو أن هذه التعقيدات باتت تسبب حرجا لسياسيي محافظة نينوى أمام جمهورهم الذي يشتكي من "تقاعسهم" عن وضع حلول لمشاكله وسكوتهم عن التضييق الذي يمارس بحقه.

وحاولت الجزيرة نت التواصل مع بعض هؤلاء النواب إلا أن تفاعلهم كان ضعيفا، لكن رئيس اللجنة الأمنية بمجلس محافظة نينوى محمد إبراهيم قال للجزيرة نت إنهم مع أي إجراء لحفظ الأمن، لكن هذه العوائق لا تساعد على ذلك.

وطالب إبراهيم الحكومة والأجهزة الأمنية بمعاملة سكان المحافظة بشكل مختلف، لأنهم نبذوا "الإرهاب" ويشاركون في حفظ الأمن بشكل فعال.

وأضاف أنهم مع عرض أسماء المسافرين على قاعدة البيانات الأمنية واعتقال أي متورط بالعلاقة مع تنظيم الدولة الإسلامية، لكن معظم المسافرين هم من أصحاب الحالات الإنسانية والراغبين في إكمال معاملاتهم الإدارية، حسب قوله.

وقد أصبح كثير من سكان الموصل يشعرون بأنهم في "سجن كبير"، وتتضرر من هذا المنع فئات عديدة بينهم طلاب وناشطون إنسانيون وإعلاميون، يبدو أن مسار حياتهم أصبح معلقا برغبة ضابط أمن أو مقاتل في فصيل مسلح يأذن لهم بالعبور إلى عاصمة بلادهم.

وقد ظلت الموصل لثلاث سنوات تحت سيطرة تنظيم الدولة إلى أن استعادتها القوات العراقية بدعم من التحالف الدولي في يوليو/تموز الماضي.

المصدر : الجزيرة