مهرجانات الموصل.. صناعة الحياة بمدينة أنهكتها الحرب

تقرير مهرجانات الموصل - صورة يظهر فيها عازفون على المسرح: تتضمن هذه المهرجانات فقرات فنية وأدبية
المهرجان الفني والأدبي واحد من المهرجانات التي احتضنتها الموصل بمبادرة شبابية لإعادة الحياة لمدينة عانت ويلات الحرب (الجزيرة)
الموصل-الجزيرة نت
 
في مدينة ما زالت رائحة الموت تنبعث من شوارعها، قررت مجموعات من شباب الموصل في الأسابيع الماضية أن يبثوا في أرجائها الحياة على طريقتهم الخاصة؛ مهرجانات فنية وأدبية ومعارض كتاب احتضنتها الموصل في الأسابيع الماضية بمشاركة الآلاف من داخلها وخارجها.

ويقول منظمو هذه المهرجانات إنهم سعوا لإيصال رسالة مضمونها أن "الموصل لن تموت مهما كان حجم مصابها". وقد شهد متنزه الكفاءات شرقي الموصل قبل أيام تجمعا كبيرا حمل عنوان "مهرجان الطفولة الأول"، وتضمن أنشطة فنية وأدبية، شارك فيها مئات الأطفال مع أسرهم، ووجد بعضهم في هذا المهرجان متنفسه الوحيد منذ نهاية الحرب.

ويقول أبو سامي الذي رافقته عائلته إنها لأول مرة تخرج أسرته معه خارج منطقته منذ استعادة المدينة بسبب خوفه من الأوضاع الأمنية غير المستقرة. وتجمع في المتنزه عشرات العائلات وفيهم أرامل وأيتام فقدوا ذويهم في الحرب الأخيرة، وربما أخفت بهجة الأطفال التي طغت على المكان الحزن الكامن في عيون عشرات النساء الحاضرات.

شباب من الموصل اختاروا الفن لبث رسائل بأن مدينتهم متمسكة بالحياة(الجزيرة)شباب من الموصل اختاروا الفن لبث رسائل بأن مدينتهم متمسكة بالحياة(الجزيرة)

محمد عباس عضو مشروع "نينوى أولا" ومنظم المهرجان يقول إنهم يهدفون لزرع الفرح، وإعادة البراءة إلى نفوس أطفال عاشوا أهوال الحرب واعتادوا رؤية مناظر مروعة، كالجثث الملقاة في الشوارع، وعمليات القتل بشكل مباشر.

ويضيف عباس في حديث للجزيرة نت أن كثيرا من العائلات ما زالت تخشى الخروج من منازلها والمشاركة في الحياة العامة بسبب ما تسمعه من أخبار تثير الفزع في نفوسهم، لكنهم يحاولون كسر هذا الرعب بهذه الأنشطة العامة.

خروج من العزلة
ويشعر كثير من الشباب في مدينة الموصل أنهم كانوا معزولين عن العالم الخارجي في السنوات الثلاث الماضية بسبب قوانين تنظيم الدولة الإسلامية، التي منعت اقتناء الأجهزة اللاقطة والجوالات مما تسبب بقطيعة مع محيطهم. ولهذا يتحفز كثير منهم للمشاركة في الأنشطة فضلا عما توفره لهم من ترفيه في مدينة تكاد تنعدم فيها وسائل الترفيه.

معرض ومهرجان للكتاب بجامعة الموصل (الجزيرة)معرض ومهرجان للكتاب بجامعة الموصل (الجزيرة)

ومن الفواجع التي أصابت الموصل فقدانها لآلاف الكتب والمخطوطات بسبب القصف أو الحرق مما دفع مجموعة من الشباب لتنظيم مهرجان "القراءة الأول في الموصل" في جامعة المدينة حيث استقبلت آلاف المشاركين، حتى إنها لم تستطع استيعابهم جميعهم فبقي المئات على البوابات في انتظار إذن الدخول.

وذكرت اللجنة المنظمة للمهرجان أنها جمعت نحو عشرة آلاف كتاب وعرضتها أمام الجمهور مجانا، وهو النشاط الأول من نوعه في المدينة منذ سنوات طويلة. وكان لافتا كثافة مشاركة العنصر النسوي.

وتقول رغد خالد الطالبة في جامعة الموصل إنها وجدت في المهرجان متنفسا لها بعد سنوات من العزلة والانقطاع عن العالم الخارجي، وتضيف أن عدد الحضور من الفتيات فاق التوقعات، خاصة أن الأوضاع العامة التي تعيشها الموصل لا تساعد على الاهتمام بمثل هذه الأنشطة، مشيرة إلى أن هذا النشاط تؤشر على ولادة جديدة لمجتمع الموصل، حسب تعبيرها.

مشاكل مستمرة 
بعض شباب الموصل يرى في هذه الأنشطة "ترفا فكريا" وبعدا عن مشاكل الواقع ومآسيه، ويقول الناشط عبد الله رغيد إن مشاكل الموصل الحالية لا تحصى، ولا يمكن التغطية على قبح الواقع بمثل هذه المهرجانات.

ويؤكد رغيد أنه يقدر نوايا القائمين عليها، لكن هذه الأموال كان الأولى أن تنفق على الفقراء والمرضى والمصابين الذين تعج بهم المدينة، بدل أن تستخدم لإقناع البعض بأن طابع الموصل "مدني".

 مهرجان ترفيهي للأطفال بالموصل(الجزيرة) مهرجان ترفيهي للأطفال بالموصل(الجزيرة)

ويشاطره الرأي علاء زكريا عضو فريق "لمسة خير" التطوعي، ويشير إلى أنهم يجمعون المال بصعوبة شديدة لإيصاله إلى مخيمات النازحين، في حين تنفق الملايين في هذه المهرجانات على أنشطة تناسب مجتمعات "أكثر استقرارا".

لكن الصحفي هيثم العلي من جهته يرى ما يحدث طبيعيا في مجتمع عانى حربا ضروسا و"كبتا" في الفترة السابقة، حيث حرم هؤلاء الشباب من ممارسة حياتهم بشكل طبيعي، ومنعت عنهم كثير من الأشياء المتاحة لمن هم في أعمارهم مما يبرر اندفاع الشباب نحو هذه الأنشطة.

ويؤكد العلي أنه رغم أن الموصل ما زالت تعاني من أزمات يومية، فإن من شأن هذه المهرجانات أن تبث رسائل باستقرار المدينة مما قد يجعلها وجهة لبعض المستثمرين وأصحاب رؤوس الأموال، حسب تعبيره.

المصدر : الجزيرة