غرب الموصل.. صرخات من تحت الركام

الحرب دمرت 80% من مساحة الجانب الغربي من مدينة الموصل (رويترز)
الحرب دمرت 80% من مساحة الجانب الغربي من مدينة الموصل (رويترز)

الموصل-الجزيرة نت

ما إن تدخل إلى الجانب الغربي من مدينة الموصل العراقية حتى يصدمك حجم الخراب الكبير الذي خلفته الحرب الأخيرة حيث محا القصف الجوي والمدفعي مناطق كاملة بعد أن كانت تعج بالحياة.

وبينما ينتشر عناصر الجيش والشرطة الاتحادية والحشدين الشعبي والعشائري بالشوارع، تبدو وجوه السكان بائسة ويعلوها الشحوب والخوف بعد معركة استمرت لتسعة أشهر تقريبا.

وقد غيرت الحرب بين تنظيم الدولة الإسلامية والقوات العراقية معالم الجزء الغربي (الأيمن) من المدينة بشكل شبه كامل، وخاصة في المناطق القديمة. وتحول شارع الدواسة الذي كان قلب الموصل التجاري إلى حطام وأكوام من بقايا البنايات.

ومن بين الأزقة المتفرعة عن الشارع تطالعك عيون قلقة. يقول أحدهم للجزيرة نت إنه خسر محله الذي ورثه عن والده وكان مصدر رزق عائلته كلها، وهو لا يعلم متى سيعيد بناءه وكيف سيعيش أهله.

وغير بعيد عنه، ثمة أطفال يلعبون الكرة بين الخراب، وهم من بين عوائل قليلة عادت إلى ما تبقى من منازلها، لأنها لم تعد تطيق البقاء في مخيمات لا تصلح للعيش الآدمي.

ويقول أبو ثائر إنه أقام لفترة في مخيم القيارة جنوبي المدينة، لكنه آثر العودة لأنه لم يستطع الاستمرار في السكن لالخيام في صيف العراق القائظ.

وعلى أطراف المدينة القديمة، تقف عوائل عدة تنتظر دورها على جدول فرق الإنقاذ كي تنتشل جثث أقربائها. وتقول أم عمر التي فقدت أسرة شقيقها بالكامل إنها تحضر إلى المكان بشكل دائم عسى أن يحين دورها كي تدخل فرق الإنقاذ إلى منزل أخيها بمنطقة (راس الكور) وتستخرج جثث العائلة، وفي عينيها بريق أمل ضعيف بأنهم ربما ما زالوا أحياء.

‪عودة الحياة إلى الموصل تتطلب صرف 100 مليار دولار على البنية التحتية والمرافق الخدمية‬ (رويترز)

2650 جثة
ومنذ استعادة الموصل من تنظيم الدولة، تستمر فرق الدفاع المدني باستخراج الضحايا من تحت الأنقاض. وبحسب مديرية صحة نينوى فقد تم انتشال 2650 جثة من نصف مساحة المدينة القديمة، في وقت لا تزال مساحات واسعة منها لم تصلها بعد فرق الإنقاذ.

ويقول مصدر في الدفاع المدني إن الكثير من نداءات الاستغاثة ما زالت تصلهم، إلا أن إمكانياتهم محدودة وعدد الآليات قليل لا يتناسب وحجم الكارثة، مما تسبب في فقدان المئات لحياتهم.

ويضيف أن الفرق التابعة لهم تخشى التوغل أكثر في بعض المناطق مخافة الدخول في منازل مفخخة، في وقت تشير بعض التقديرات إلى أن عدد ضحايا الحرب الأخيرة في الموصل يتجاوز 40 ألف شخص، من بينهم عوائل كاملة لم يعثر على أثرها حتى الآن.

وتبدو حياة من تبقى هنا من السكان بالغة الصعوبة، فلا كهرباء ولا ماء صالحا للشرب، ويستبعدون أن تعود الحياة لمناطقهم في ظل الأوضاع التي تمر بها البلاد.

ويشير عضو مجلس محافظة نينوى حسام العبار إلى أن حجم الدمار غطى 80% من الجانب الأيمن من مدينة الموصل، حيث دمرت جميع المستشفيات، بالإضافة إلى الطرق الرئيسية والأسواق والمصارف والفنادق والجسور الخمسة، فضلا عن مبنى المحافظة ومجلسها ودوائرها الخدمية.

ويضيف للجزيرة نت أن محطات الكهرباء دمرت أيضا وخرجت عن الخدمة بشكل كامل، وتحتاج إلى ما بين 40 و50 مليون دولار كي تعود لعملها.

ملامح البؤس والتوجس من القادم تسيطر على الناجين منح حرب الموصل (رويترز)

تطمينات وشكوك
وتبلغ مساحة المدينة القديمة حوالي 13500 متر مربع، وكان يقطنها نحو 150 ألف نسمة، وقد هجرها من تبقى من سكانها نحو مناطق الجانب الأيسر (الشرقي) الأكثر استقرارا، إلا أنهم يشتكون من ارتفاع أسعار الإيجارات، وهم كذلك عاجزون عن العودة إلى مناطقهم التي ما زالت تتكوم تحت أنقاضها مئات الجثث.

ويحاول بعض المسؤولين الحكوميين إرسال تطمينات عن قرب البدء بإعمار المدينة، إلا أن هذه التصريحات عادة ما تقابلها شكوك وربما سخرية من قبل الأهالي.

ووفقا للصحفي قتادة الطائي، فإن المدينة تحتاج حاليا إلى حوالي 50 مليار دولار لإعادة قسم من بنيتها التحتية، بينما تحتاج إلى 100 مليار دولار لتعود كمدينة متكاملة، بحسب تقديرات خبراء اقتصاديين، وهو رقم يتجاوز ميزانية البلاد السنوية.

ويرى الطائي أن الحكومة العراقية غير قادرة على إعمار الموصل حاليا بحكم مشاكلها الاقتصادية والفساد المالي المستشري في مؤسساتها، وهو ما يتطلب "خطة متكاملة وبدعم دولي يخضع خطط الإعمار لرقابة مباشرة تقطع يد الفساد".

ويلفت إلى سرقة جهات متنفذة لملايين الدولارات من موازنة محافظة نينوى متمثلة في رواتب الموظفين الذين حرموا من استلامها سابقا بحجة أن عناصر تنظيم الدولة الإسلامية يستولون عليها.

ويقول الطائي إن مثل هذه الممارسات تطرح تساؤلات عن مصير المبالغ السنوية المخصصة للمدينة، ومصير أي أرقام أخرى تُرصد للإعمار في المستقبل.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

قالت مصادر في الدفاع المدني بمحافظة نينوى شمالي العراق، إن عدد الجثث التي انتُـشلت حتى الآن من تحت الأنقاض نتيجة المعارك التي شهدتها مناطق غربي مدينة الموصل تجاوزت 2100 جثة.

أقيم أول مهرجان ثقافي للقراءة والفنون في مدينة الموصل شمالي العراق؛ بجانب المكتبة المركزية التي أحرقت بما فيها من كتب ثمينة ونادرة جراء المعارك التي شهدتها المدينة.

المزيد من حروب
الأكثر قراءة