"الصقور".. معبر المآسي بين الأنبار وبغداد

إحدى العائلات قرب معبر "الصقور" (الجزيرة)
إحدى العائلات قرب معبر "الصقور" (الجزيرة)

بغداد-الجزيرة نت 

لم يكن المواطن الفلوجي ضياء هادي العيساوي يدرك أنه سيلقى حتفه بعد شجار مع أحد الجنود الواقفين في معبر "سيطرة الصقور" التي تفصل بين محافظتي الأنبار وبغداد.

لم يطق العيساوي الانتظار مع عائلته طويلا تحت شمس يوليو/تموز اللاهبة، فحاول إقناع الجنود بالسماح له بالمرور، غير أن الأمر تطور إلى مشاجرة انتهت برصاصة في رأسه أردته قتيلا.

ورغم ما أثاره الحادث من ردود فعل ساخطة في الشارع العراقي، فإن الأوضاع لم تتغير في "السيطرة" كما يطلق عليها محليا، حيث ما زال مئات وربما الآلاف من أهالي الأنبار يقضون ساعات طويلة في قيظ العراق الملتهب، بانتظار الحصول على موافقة أمنية تسمح لهم بالمرور إلى بغداد، كما أنهم يعانون سوء المعاملة وما يعتبرونه إذلالا وابتزازا يتعرضون له.

في المقابل، تقول القيادات الأمنية العراقية إن هدف هذه الإجراءات حماية بغداد من دخول سيارات مفخخة قادمة من المناطق الغربية للمحافظة التي ما زال تنظيم الدولة الإسلامية يسيطر عليها.

ويقول قائد عمليات بغداد الفريق الركن جليل الربيعي إن القوات الأمنية ضبطت سيارات مفخخة كانت قادمة من منطقة القائم على الحدود السورية، مضيفا أنه أمر الجهات المسؤولة في السيطرة بتسهيل مهمة دخول الشاحنات التي تحمل مواد غذائية ومحاصيل زراعية، وتسهيل إجراءات الحالات الإنسانية والمرضية، على حد قوله.

جانب لسيارات في السيطرة تنتظر الإذن بالعبور إلى بغداد (الجزيرة)

عقاب جماعي
وتقع "سيطرة الصقور" في منطقة جرداء محاطة بالبساتين جنوب شرقي مدينة الفلوجة، وتبعد عن مركزها نحو 15 كيلومترا، ويمتلئ الطريق المؤدي إليها بالحفر والتعرجات، ويخلو من أي مطاعم واستراحات باستثناء محطة للوقود.

ويقول عضو مجلس محافظة الأنبار جاسم الحلبوسي إن هذه التشديدات مهمة وضرورية لحفظ الأمن، لكن فيها جوانب تؤثر بشكل سلبي على حياة المواطنين، وتضر بالاقتصاد وحركة البضائع، وأصبحت بمثابة "عقاب جماعي" للذين يعبرون من هناك.

ويضيف الحلبوسي للجزيرة نت أن المواطن يجب أن يشعر بأنه جزء من عملية صناعة الأمن لا خصما للجهات الأمنية، لذا على الحكومة أن تفتح ممرات إضافية وتقدم تسهيلات لأهالي المحافظة، بعد الخضوع للتفتيش والتدقيق الأمني الكامل وتوفير أجهزة إلكترونية حديثة، مشيرا إلى أن "الحفاظ على الأمن لا يبرر إهانة المواطنين".

وقد نشرت الجهات الأمنية مقاطع فيديو تصور فيها القبض على انتحاريين في السيطرة المذكورة وتفجير سياراتهم عن بعد، لكن الكثير من الأهالي يقولون إن هذه المقاطع مفبركة والغرض منها تبرير ما يحدث في المعبر من تجاوزات. 

يضطر الأهالي للانتظار ساعات طويلة تحت الشمس لحين الحصول على موافقة الدخول إلى بغداد (الجزيرة)

"بزيبز آخر"
ويحكي الحاج أبو عبد (71 عاما) وهو من سكنة الرمادي، قصصا مأساوية عن حالات مرضية فارق بعضها الحياة بانتظار إذن العبور، وحوامل وضعن أطفالهن في السيارات التي تقلهن.

أما بهيجة عبد الله (35 عاما) فتقول إنها كانت قادمة من الفلوجة لعلاج والدتها المصابة بالسرطان واضطرت للوقوف في السيطرة نحو عشر ساعات حتى سمح لهم بالدخول. وتصف السيطرة بأنها "بزيبز آخر"، في إشارة إلى معبر "بزيبز" سيئ الصيت.

ذريعة للمعاقبة
من جهته، يرى الصحفي فراس الدليمي أن بعض الجهات تتخذ هذه الإجراءات ذريعة لمعاقبة أهالي الأنبار، إذ من غير المنطقي القول إن المفخخات تصل بغداد بهذه الطريقة، في ظل التشديدات الأمنية والتفتيش الدقيق ونقاط التفتيش الكثيرة.

ويعتبر أنه "إذا كان الأمر كذلك فهو دليل على فشل الخطط الأمنية أو وجود عناصر متواطئة، لكن الحقيقة أن هذه السيارات تفخخ في نفس المناطق التي تنفجر فيها".

ويشير الدليمي إلى أن بعض ساسة الأنبار قدموا احتجاجات ومناشدات لكن دون فائدة، لأن الملف الأمني اليوم مشتت ولا يوجد مركز لصنع القرار فيه، وبعض المليشيات تسيطر على الكثير من المفاصل الأمنية للدولة، فلا جدوى من هذه المواقف ما لم ينحصر السلاح والقرار الأمني بيد الدولة وحدها، وفق رأيه.

المصدر : الجزيرة