مفاوضات البريكست.. صراع الخارج والداخل

تتهم الأطراف الأوروبية الحكومة البريطانية بانتهاج أسلوب مبهم وغير جاد في توضيح رؤيتها (الأوروبية)
تتهم الأطراف الأوروبية الحكومة البريطانية بانتهاج أسلوب مبهم وغير جاد في توضيح رؤيتها (الأوروبية)
العياشي جابو-لندن

مع انطلاق الجولة الصيفية الأخيرة لهذه السنة من المفاوضات بين الاتحاد الأوروبي وبريطانيا حول خروج الأخيرة من الاتحاد الأوروبي، تبادل الجانبان لغة سياسية فيها كثير من الاتهامات وعدم الوضوح سواء على مستوى الإجراءات الواجب اتباعها أو فيما بعد "الخروج الكبير".

ويزعم كل طرف أنه مستعد لمفاوضات تؤدي إلى نتيجة تراعي مصلحة الطرفين وشعوبهما، كما يزعم كل طرف أن لديه خطة واضحة للحفاظ على مصلحة شعبه ومصلحة الآخر، لكن وفي الوقت نفسه، كل منهما يكيل الاتهامات للآخر بالمماطلة والتصلب في الرؤية وعدم الوضوح في نظرته للعلاقة التي ستربط الجانبين فيما بعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي.

وقلّل كل من الوزير البريطاني لإجراءات الخروج من الاتحاد ديفيد ديفيس ونظيره الأوروبي ميشال برنييه عند لقائهما في الجولة الجديدة، من التوصل إلى تقدم كبير في المحادثات، لأنهما يدركان أن خلافاتهما في نقاط وأولويات أجندة التفاوض، ولا أحد منهما يجرؤ -على الأقل في الوقت الراهن- أن يظهر أنه أول من يقدم تنازلات إزاء الطرف الآخر.

وتتهم الأطراف الأوروبية حكومة رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي بأنها تنتهج أسلوبا مبهما وإلى حد ما غير جاد في توضيح رؤيتها حول أجندة المفاوضات المقبلة، بل وتصلبها في مواضيع مثل حقوق الرعايا الأوروبيين في بريطانيا بعد البريكست، والجهة القضائية التي ستتولى البت في قضايا النزاعات المختلفة، والكلفة المالية التي ستدفعها لندن للخروج من الاتحاد الأوروبي، ووضعية الحدود بين إيرلندا الشمالية وجمهورية إيرلندا التي هي جزء من الاتحاد.

وقد قامت حكومة ماي بنشر مجموعة من الأوراق قبيل هذه الجولة من المفاوضات اعتبرتها المرجعية لخطتها في التفاوض مع الجانب الأوروبي، وأشارت فيها بشيء من الوضوح إلى النقاط المطروحة لكنها أبقت في الوقت نفسه على كثير من الغموض لتترك مجال المناورة مفتوحا أثناء المفاوضات.

الاتحاد يطالب بريطانيا بأكثر من 60 مليار دولار "فاتورة طلاق" (غيتي)

اتفاق جديد
من بين ما جاء في هذه الأوراق أن الحكومة البريطانية تعتزم الخروج من السوق الأوروبية الموحدة والاتحاد الجمركي في مارس/آذار 2019، ولكنها تريد الحفاظ على العلاقات التجارية في شكل اتفاق جديد مع دول الاتحاد الأوروبي يمكنها من التبادل التجاري معها من دون أن تكون هناك حواجز وعوائق حدودية تعرقل الحركة التجارية، وتقترح في الوقت نفسه رقابة إلكترونية غير مرئية تعتمد على الأجهزة الحديثة وتبادل الخبرات الاستخبارية.

الحكومة البريطانية التي كشفت عن هذه الورقة فيما يتعلق بالحدود بينها وبين الاتحاد الأوروبي طبّقت هذا الاقتراح إلى حد كبير على الحدود بين إيرلندا الشمالية وإيرلندا الجنوبية.

ويرى كثير من المراقبين ومنهم معارضون في أحزاب بريطانية أن حكومة ماي تريد بهذه الخطوة التحكم في الهجرة ومنع الأوروبيين من العمل في بريطانيا والاستفادة من مرافقها، في الوقت الذي تريد الاستفادة من مزايا التجارة الحرة مع منظومة الاتحاد الأوروبي، وهو ما لا يمكن أن تقبل به دول الاتحاد.

من ناحية أخرى، يصر الاتحاد الأوروبي على أن تقوم الحكومة البريطانية بتليين مواقفها تجاه التفاوض معه، ويقول إن أولوياته تتمثل في تسوية وضعية حقوق الرعايا الأوروبيين في بريطانيا بعد الخروج، الذين يقدر عددهم بنحو ثلاثة ملايين.

كما يطالب الاتحاد بأن يمنح مواطنوه كامل الحقوق ودون شروط مثلهم مثل بقية البريطانيين، ويرغب في إيجاد تسوية حقيقية لوضعية الحدود بين إيرلندا الشمالية والجنوبية.

لكن نقطة الخلاف الحقيقية التي أشار إليها كثير من المسؤولين الأوروبيين في كثير من اللقاءات والتصريحات الصحفية هي كلفة خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي أو ما يطلق عليها "فاتورة الطلاق".

قلّل كل من الوزير البريطاني لإجراءات الخروج من الاتحاد (يسار) ونظيره الأوروبي من التوصل إلى تقدم كبير في المحادثات (رويترز)

فاتورة الطلاق
وتشير تقديرات إلى أن هذه الفاتورة تتراوح بين 50 و60 مليار جنيه إسترليني (64 و77 مليار دولار) ينبغي على بريطانيا أن تسددها للخروج من الاتحاد الأوروبي، ويصر الاتحاد على إحراز تقدم واضح في هذا المضمار قبل السماح لبريطانيا في التفكير بإنشاء أي علاقات تجارية مستقبلية مع أعضائه، أما الحكومة البريطانية فلاتزال تسلك نهجا غامضا حيال الأمر.

هذه القضايا الخلافية ستكون موضوع المفاوضات بين الطرفين، لكن كثيرا من المحللين يجمعون على أن تحقيق أي حلحلة في المفاوضات لن يتم قبل نهاية هذه السنة، بل ربما إلى منتصف السنة المقبلة.

الأمر الآخر الذي يزيد في تعقيدات جولات التفاوض هو الخلافات التي ظهرت في الأفق بين مواقف الأحزاب المؤثرة في السياسة البريطانية من جهة وتلك الأحزاب وقياداتها من جهة ثانية، لأن أي اتفاق مع الاتحاد الأوروبي ينبغي أن يوافق عليه البرلمان البريطاني.

فقد أعلن حزب العمال مؤخرا أنه يريد أن تمتد الفترة الانتقالية لما بعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي لـ4 سنوات أو أكثر، أي أن تظل بريطانيا ضمن السوق الموحدة والاتحاد الجمركي وتلتزم بالقوانين الأوروبية كاملة بما فيها حركة التنقل والعمالة في بريطانيا دون أي شروط، من أجل إعطاء الوقت الكافي للاقتصاد والشركات البريطانية للتأقلم مع مستجدات الانفصال عن الاتحاد.

حزب العمال يراهن على أن يكون الخروج لينا وسلسا، لأن حكومة ماي لا تمتلك أغلبية برلمانية تتعدى 13 نائبا، وأن عددا من أعضاء حزب المحافظين المعارضين للخروج الحاد من الاتحاد الأوروبي قد يتشجعون للانضمام لحزب العمال في أي تصويت مقبل في البرلمان. 

لكن حزب العمال نفسه قد يواجه تمردا من بعض نوابه في الدوائر الشمالية البريطانية التي صوتت لحزب العمال بناء على تعهداته بالالتزام بالخروج من الاتحاد الأوروبي والتحكم في الهجرة إلى بريطانيا.

إذن، فالتباين في المواقف وصراع الشد والجذب ليس فقط بين الحكومة البريطانية والاتحاد الأوروبي ولكن بينها وبين الأحزاب البريطانية الأخرى في طبيعة الخروج من الاتحاد، وستظل تلك المواقف مرشحة للاستمرار وربما للتصعيد أكثر في الأشهر المقبلة.

المصدر : الجزيرة