النازحون السوريون بلبنان.. محنة الضيف وعداء المضيف

على مدى ست سنوات تدفق نحو 1.5 مليون نازح سوري على لبنان أي ما يعادل ربع سكانه (الجزيرة)
على مدى ست سنوات تدفق نحو 1.5 مليون نازح سوري على لبنان أي ما يعادل ربع سكانه (الجزيرة)

لم يخرج السوري أبو يزن من شقته في شمال لبنان إلا فيما ندر منذ أن تعرض للضرب في الشارع في يونيو/حزيران الماضي. فقد كان خارجا من صيدلية في منتصف الليل تقريبا عندما اتجه إليه غريبان وطلبا منه إشعال سيجارة، ثم سألاه إن كان من سوريا. وقال أبو يزن (32 عاما) الذي يعيش قرب مدينة طرابلس اللبنانية، إن الرجلين أشبعاها ضربا وشتما وركلا وهدداه بالقتل.

على مدى ست سنوات ظلت التوترات تتصاعد مع تدفق 1.5 مليون سوري على لبنان أي ما يعادل ربع سكانه. وواجه النازحون موجات من العداء منذ تفجّر الصراع في سوريا. غير أن النقاش بشأن وجود السوريين اتخذ طابعا أكثر خشونة خلال الشهور الأخيرة وغذاه قادة سياسيون يقولون إن لبنان فقد صبره على العبء الاجتماعي والمالي الذي خلقته أزمة النازحين.

ومثل أبو يزن يقول نازحون آخرون إنهم يختبئون في بيوتهم أو في المخيمات خوفا من التعرض للاعتداء أو الاعتقال أو الإذلال. وفي الشهور الأخيرة اتحدت أغلب الأحزاب اللبنانية الرئيسية في المطالبة بعودة السوريين إلى بلادهم، وهو مطلب صعب في ظل الدمار الذي تسببت فيه الحرب في سوريا.

وحذرت جماعات حقوقية من إعادة السوريين قسرا إلى بلدهم، وكثيرا ما يردد النازحون أنهم يخشون تجنيدهم في الجيش السوري. وتأتي الدعوات لإعادة النازحين إلى بلادهم في وقت تعمل فيه الحكومة السورية على دعم سيطرتها على المراكز العمرانية الرئيسية، وقد خففت اتفاقات لوقف إطلاق النار من حدة القتال مع المعارضة في مناطق من غرب سوريا.

جانب من حريق اندلع في مخيم تل سرحون للاجئين السوريين بلبنان (الجزيرة)

مناخ الاستقطاب
لم تشهد مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين اتجاها متصاعدا في البلاغات عن الاعتداء على السوريين لكنها أعربت عن قلقها للتوترات المتنامية. وقالت المتحدثة باسم المفوضية ليزا أبو خالد إن البلاغات عن الاعتداءات لا تزال تمثل حوادث معزولة، غير أن النازحين يشعرون بتوتر أكبر وبالخوف.

وقد تصاعدت التوترات في يونيو/حزيران الماضي بعد أن ألقى الجيش اللبناني القبض على مئات السوريين خلال مداهمة مخيمات للنازحين قرب الحدود، وأثناء تلك المداهمات هاجم مفجرون انتحاريون جنود الجيش.

وعندما توفي أربعة من المحتجزين فيما بعد أثناء اعتقالهم، قال الجيش إن سبب الوفاة أمراض مزمنة. وطعن ناشطون ونازحون في تلك الرواية، وقال البعض إن سبب الوفاة هو التعذيب.

وفي ظل ذلك المناخ انتشر على وسائل التواصل الاجتماعي مقطع فيديو لثلاثة رجال لبنانيين يضربون نازحا في أحد الشوارع. واحتجزت السلطات المعتدين. ويقول سوريون في لبنان إنهم يواجهون مضايقات واسعة النطاق.

ويخشى كثير من اللبنانيين أن يهدد النازحون أمن البلاد وأن يمثلوا عبئا على اقتصادها الراكد الذي تأثر بشدة بالحرب السورية. ويقول آخرون إن النازحين يأخذون وظائفهم أو يفرضون أعباء على الخدمات العامة التي تعاني من اختلالات بالفعل.

ولفترة طويلة تحاشت الحكومة اللبنانية إنشاء مخيمات رسمية للنازحين. ولذا يعيش كثيرون من السوريين في تجمعات من الخيام ويعانون من الفقر ويواجهون قيودا على الإقامة القانونية أو العمل.

وخلال قداس الشهر الماضي حث البطريرك الماروني بشارة الراعي الساسة على العمل من أجل إعادة السوريين إلى بلدهم. واتهم البطريرك النازحين بخطف الخبز من أفواه الشعب اللبناني ودفعه للفقر والحرمان.

جانب من عملية تفكيك لمخيم لاجئين سوريين بمحيط مطار عسكري بلبنان (الجزيرة)

تبرم من النازحين
ويخشى الساسة أن يساهم وجود نازحين سوريين من أبناء المذهب السني بالأساس في زعزعة استقرار لبنان في الأمد البعيد من خلال تغيير التوازن الطائفي الدقيق.

وقد أذكى الصراع السوري المنافسات السياسية والانقسامات الطائفية التي لم تلتئم بعد منذ الحرب الأهلية اللبنانية بين عامي 1975 و1990.

وقال مستشار السياسات العامة في وزارة الدولة لشؤون النازحين زياد الصائغ إن "الأعباء الاجتماعية الاقتصادية تخطت الحدود، وطول الأزمة أثّر على علاقات المجتمعات المضيفة بمجتمعات النازحين"، وأشار إلى أن "كل لبنان يريد العودة. ليس (ثمة) خلاف على موضوع العودة.. المهم قناة التنسيق في العودة تتم من خلال الأمم المتحدة المعنية الوحيدة بتوفير ضمانات".

وتطالب جماعة حزب الله وحلفاؤها الذين يؤيدون الرئيس السوري بشار الأسد الدولة اللبنانية بالعمل مع دمشق غير أن منتقديهم يعارضون ذلك بشدة. ويصر رئيس الوزراء سعد الحريري وآخرون على ضرورة أن تتولى الأمم المتحدة الإشراف على إعادة النازحين.

وقد لعب حزب الله المدعوم من إيران دورا رئيسيا في إبعاد المسلحين عن منطقة الحدود، كما أرسل ألوفا من مقاتليه إلى سوريا لدعم حكم الأسد.

وبمقتضى اتفاقات الجلاء التي توسط فيها حزب الله رحلَ ألوف النازحين عن منطقة الحدود الشمالية الشرقية في لبنان إلى سوريا منذ منتصف يوليو/تموز الماضي. وتخشى جماعات حقوقية أن يكون النازحون عادوا لأنهم شعروا بأنهم تحت ضغط في لبنان.

وتقول الأمم المتحدة إن الوقت لم يحن بعد للعودة الآمنة. ولم تشارك الأمم المتحدة في تلك الاتفاقات المحلية، وأعربت عن مخاوفها من ألا تستوفي تلك الاتفاقات المعايير القانونية والمبادئ الإنسانية.
ومع ذلك فالآلاف من السوريين الذين عادوا يمثلون قطرة في المحيط بالمقارنة بحجم أزمة النازحين في لبنان.

المصدر : رويترز