تجنيد اليهود "الحريديم".. صراع سياسي جوهره ديني

يهود من طائفة الحريديم يشاركون في احتفالات أحد أعيادهم بالقدس المحتلة (غيتي)
يهود من طائفة الحريديم يشاركون في احتفالات أحد أعيادهم بالقدس المحتلة (غيتي)

محمد محسن وتد-القدس المحتلة

يشهد المجتمع "الحريدي" حراكا ونشاطات ضد تجنيد الشبان "الحريديم" في جيش الاحتلال الإسرائيلي، إذ تتجدد المواجهات والمظاهرات الرافضة للخدمة العسكرية عقب تعديل قانون التجنيد الإلزامي عام 2013 إبان ولاية حكومة بنيامين نتنياهو السابقة التي غابت عنها الأحزاب الدينية، وأتى التعديل بمبادرة حزب "ييش عتيد" العلماني برئاسة يائير لبيد.

ويشكل "الحريديم" 10% من السكان اليهود في إسرائيل، وعارضوا -بكافة تياراتهم وطوائفهم- التجنيد، فجرى إعفاؤهم من الخدمة العسكرية منذ قيام إسرائيل إثر تفاهمات عرفت باسم "الوضع القائم"، وقضت بأن يدرس الشبان "الحريديم" في المعاهد الدينية اليهودية لتدريس التوراة، ويحصلون على مخصصات مقابل أن يكون عملهم الأساسي هو تعلم التوراة والتعاليم الدينية اليهودية.

وفي ظل إصرار الحكومة الإسرائيلية على فرض التجنيد على "الحريديم"، يؤكد الحاخام إلياهو كوفمان أن جميع تيارات "الحريديم" والحاخامات أجمعوا منذ النكبة على معارضتهم ورفضهم الانخراط في الجيش الذي اعتبروه مفسدة للأخلاق المجتمعية وتهديدا للمعاهد والقيم الدينية وتعاليم التوراة.

فقد رفض الحريديم حتى المشاركة في ما يسمى حرب "التحرير والاستقلال" عام 1948، وشددوا على موقفهم بأنه لا يوجد "للحريديم" أي مشكلة مع العرب والشعب الفلسطيني وليذهب اليهود العلمانيون ليحاربوهم.

‪الحاخام كوفمان: تجنيد الحريديم يعكس الوجه الحقيقي للصراع بين العلمانيين والمتدينين حول هوية الدولة‬ (الجزيرة)

صهر وتجنيد
ويرى الحاخام كوفمان المحسوب على تيار "الحريديم" في حديثه للجزيرة نت أن إقحام العديد من الحاخامات أنفسهم في المشهد السياسي، وتشكل الأحزاب الدينية مثل "شاس" و"يهدوت هتوارة" وخوضها انتخابات الكنيست (البرلمان)، مهّد لتطوع بعض الشبان "الحريديم" في الجيش مع سعيهم للاندماج في المجتمع الإسرائيلي، وذلك رغم تأسيس المعاهد الدينية اليهودية التي حصلت على تمويل من الحكومة، وجذبت إليها عشرات آلاف الطلاب والطالبات ممن تم إعفاؤهم من الخدمة العسكرية.

ويقول كوفمان إن هذه المتغيرات والتحولات وصراعات القوى السياسية وحلف الأحزاب الدينية مع نتنياهو، غذت السجال أكثر بكل ما يتعلق بالمشروع الصهيوني والخدمة العسكرية، أو دراسة التعاليم الدينية والتوراتية حفاظا على "يهودية الدولة".

وأشار إلى أن قبول بعض الحاخامات بأمر التجنيد كان خدمة لمصالحهم، فأصدروا فتوى تجيز التطوع في الجيش إلى جانب التعلم بالمعاهد الدينية، وهو ما ساهم في تعديل قانون التجنيد الإلزامي الذي يجبر "الحريديم" تحت ذريعة "تحمل العبء" على التجنيد أسوة باليهود العلمانيين والمتدينين من التيار "القومي الصهيوني".

وشكك كوفمان في مزاعم حكومة نتنياهو بأن الجيش بحاجة إلى "الحريديم" للقتال في صفوفه، وهي المزاعم الهادفة إلى تأجيج الصراع مع العرب والفلسطينيين وإطالة أمده، مؤكدا أن فرض التجنيد على هذه الطائفة يعكس الوجه الحقيقي للصراع بين التيار العلماني الصهيوني والتيار الديني حول ماهية ومستقبل وهوية نظام الحكم، بين طرف يريدها "دولة يهودية صهيونية" وطرف آخر يريدها "دولة تحكم بتعاليم التوراة حين نزول المسيح المنقذ"، الأمر الذي من شأنه أن يشكل خطرا وجوديا على المشروع الصهيوني.

سجال وصراع
ويرى الباحث في الشأن الإسرائيلي أنطوان شلحت أن السجال حيال تجنيد "الحريديم" ينسجم مع الصراعات التي تشهدها الساحة السياسية الحزبية مع تنامي قوة ونفوذ الأحزاب الدينية التي أضحت محورا أساسيا في تركيبة الائتلاف الحاكم وحليفًا لنتنياهو، في ظل تراجع قوة الأحزاب العلمانية ومعسكر اليسار والوسط الذي بادر إلى تشريع القانون.

وعزا شلحت في حديثه للجزيرة نت الصراع بشأن فرض الخدمة العسكرية إلى التحولات الديمغرافية داخل المجتمع اليهودي، إذ زادت أعداد الحريديم بشكل كبير وزاد حضورهم في المشهد السياسي ووزنهم النسبي في الانتخابات، الأمر الذي عزز من تأثيرهم على المؤسسات الحاكمة، إذ باتت الأحزاب الدينية اليهودية تفرض شروطا وإملاءات في بعض القضايا السياسية والدينية الداخلية، وهو مؤشر على بداية صراع بين العلمانيين والمتدينين.

ولا يستبعد شلحت في المدى البعيد أن يشكل "الحريديم" والتيارات الدينية القومية والصهيونية المتجددة ممثلة بحزب "البيت اليهودي" الذي يرأسه نفتالي بينيت؛ الحكومة، وهو ما يفسر المحاولات الساعية لإضعاف المدارس والمعاهد التوراتية واحتواء تعاظم نفوذ الأحزاب الدينية سياسيا عبر صهرها ودمجها في المجتمع الإسرائيلي والجيش بغية التقليل من الصبغة الدينية لهذه الأحزاب والطوائف.

ويشير الباحث إلى أنه في المقابل لدى المؤسسة الإسرائيلية هواجس بأن يتحول "جيش الشعب" إلى رهينة لنزاعات "الحريديم" والأحزاب الدينية إذا تعزز حضورهم داخل المؤسسة العسكرية والأمنية.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

أصدرت وزارة المالية الإسرائيلية نظاما للإعفاءات الضريبية لملاك الشقق السكنية لمن خدموا في الجيش الإسرائيلي، وهو ما اعتبر تمييزا تجاه العرب والمتدينين اليهود “الحريديم”.

يتسم الحراك السياسي في الشارع الإسرائيلي بالتطرف مع اقتراب موعد انتخابات الكنيست التي ستجرى في 22 من شهر يناير/كانون الثاني الحالي، مع تنامي ظاهرة الاستقطاب ما بين أحزاب اليهود “الحريديم” من الشرقيين والغربيين الذي يواجهون تحديات علمانية.

تسابق إسرائيل الزمن بمشاريعها الاستيطانية بفلسطين التاريخية، حيث أطلقت العنان للتهويد والاستيطان ليطال الوجود الفلسطيني داخل الخط الأخضر، وذلك مع تنامي مظاهر التطهير العرقي والعنصرية والعداء، في ظل غياب الردع والعقاب عن جرائم “تدفيع الثمن”.

أقحمت إسرائيل اليهود “الحريديم” في مسعى منها لحسم المواجهة والصراع المتواصل مع الفلسطينيين بالداخل من خلال خلق أغلبية يهودية على طول المناطق الحدودية المتاخمة لحدود الرابع من يونيو/حزيران 1967.

المزيد من ديني
الأكثر قراءة