التراشق بين أميركا وكوريا الشمالية هل يقود لحرب؟

تجربة لصاروخ بالستي عابر للقارات أجرتها كوريا الشمالية أواخر الشهر الماضي (رويترز)
تجربة لصاروخ بالستي عابر للقارات أجرتها كوريا الشمالية أواخر الشهر الماضي (رويترز)

عبد العظيم م. عبد الرحيم

بدأها الرئيس الأميركي دونالد ترمب بتحذير كوريا الشمالية بأنه سيشعلها "نارا وغضبا لم ير العالم نظيرا له من قبل" ورد نظيره الكوري كيم جونغ أون متوعدا بانتقام يعادل "ألف ضعف" أي ضربة أميركية.  فهل بات العالم على شفا حرب عالمية ثالثة حقا أم أن الأمر لا يعدو أن يكون حرب كلمات جوفاء؟

وعلى الرغم من التراشق اللفظي بين زعيمي دولتين نوويتين يصعب التكهن بما سيفعلانه، فإن معظم المراقبين لا يرون اندلاعا وشيكا لحرب بين بلديهما ذلك أن كوريا الشمالية -بنظرهم- تلوح ببرنامجها النووي كورقة للمساومة أكثر من كونه سلاحا هجوميا تستخدمه عند الحاجة.

ثمة أمر واحد على وجه اليقين وهو أن التهديدات المتبادلة بين قادة كوريا الشمالية والولايات المتحدة أقضت مضاجع العالم خوفا من نشوب حرب كونية لا تبقي ولا تذر هذه المرة، فالبلدان يملكان أسلحة فتاكة قادرة على محو مدن بأكملها من الخارطة.

وحده وزير الخارجية الأميركي ريكس تيلرسون هو من حاول طمأنة الشعب الأميركي أمس الأربعاء حينما قال لهم إن "بإمكانكم الخلود لنوم عميق ليلا".

على أن ما يقلق المرء هو أن اندلاع حرب بالصدفة وليس عن عمد يبقى احتمالا قائما وغير مستبعد، فلطالما نشب القتال بسبب تصريح من هنا أو هنالك.

ترمب ضد كيم
وتعكس الحرب الكلامية هذه طباع رئيسي البلدين، فهما يشتركان في سمات تتسم بالنزق والعناد. وكلاهما جديدان نسبيا على رئاسة دولة، فترمب مثلا جاء من دنيا المال والأعمال وهو يتعامل مع القضايا الدولية بعقلية التاجر الذي يحسب كل شيء بمقابل مادي.

أما كيم فهو إلى جانب أنه سياسي غِرٌ، فإنه يؤمن بأنه مؤيد من السماء وفق الأسطورة الكورية التي سنأتي على تفاصيلها فيما بعد.

وبرأي إليوت كوهين مدير برنامج الدراسات الإستراتيجية بجامعة جونز هوبكنز الأميركية، فإن التصريحات "الفضفاضة" التي أطلقها ترمب "مجرد تكتيك للتفاوض لن تفضي إلى ما تصبو إليه الولايات المتحدة" ذلك أن للكوريين الشماليين من الأسباب ما يجعلهم يسعون لامتلاك أسلحة نووية.

ترمب وكيم يتشاطران سمات مشتركة (رويترز)

وكتب كوهين في مقال بمجلة "أتلانتيك" الرصينة أن الكوريين الشماليين أظهروا عدم استعداد للإذعان للضغوط حتى لو جاء ذلك من حليفتهم الصين.

على أن امتلاك كوريا الشمالية لسلاح نووي يمثل حقيقة تشيع الخوف لدى الأميركيين وحلفائهم، وهو ما قد يمنحهم ذريعة لتوجيه ضربة استباقية نحو بيونغ يانغ.

غير أن تبعات ضربة كهذه مدعاة لخوف مماثل، فاندلاع حرب من شأنه الفتك بمئات الآلاف إن لم يكن الملايين من سكان الدول الآسيوية الحليفة لأميركا، كما أنها لا شك ستودي بحياة آلاف الجنود الأميركيين وعائلاتهم المرافقة لهم.

ثم إن سول عاصمة كوريا الجنوبية ستكون في مرمى مدفعية الجارة الشمالية التي لديها ترسانة من الأسلحة الكيميائية والتقليدية. وقد تطلق بيونغ يانغ العنان لسلاحها النووي.

وربما تقلب ضربة استباقية من هذا النوع العلاقات الدولية مع الدول الآسيوية رأسا على عقب -وفق كوهين- فهجوم كهذا قد يجعل كوريا الجنوبية تنقلب على حليفتها الولايات المتحدة التي لم تراع مصالحها، كما قد يدفع الصين إلى التدخل.

الأسطورة الكورية
بيد أن ما يدعو للاطمئنان أن الولايات المتحدة ليست مستعدة ببساطة لخوض حرب في كوريا لا من الناحية الدبلوماسية حيث تفتقر الخارجية الأميركية لمسؤول يتولى منصب الوزير المساعد لشؤون شرق آسيا والمحيط الهادي، ولا عسكريا إذ هي غارقة حتى أذنيها في حروب في أفغانستان والعراق وسوريا.

أما كوريا الشمالية فترى في امتلاكها أسلحة نووية رادعا لأعدائها وعلى رأسهم الولايات المتحدة. وهي تنطلق في ذلك من أسطورة يؤمن بها الشعب الكوري الشمالي -أو هكذا يغلب الظن- تقول إن الزعيم كيم هو حفيد أسلاف ملهمين من السماء انحدروا من جبل "بايكتو" وهم يمتلكون قوى روحانية وسحرية للزعامة والرؤى الثاقبة والذكاء الدبلوماسي والعبقرية العسكرية.

وهم بهذه المعتقدات حماة لكل أفراد شعبهم الذين تعتبرهم الأسطورة أنقى الأجناس البشرية. ولعل هذا الاعتقاد يجعل من العسير -إن لم يكن من المستحيل- أن يرضخ كيم للضغوط الدبلوماسية.

فماذا تريد بيونغ يانغ إذن من امتلاك صواريخ بالستية وأسلحة نووية؟ يرى كثير من المراقبين أنها تنظر إلى العالم الخارجي بعين الريبة ومن ثم ترى فيه تهديدا لوجودها.

ولعل هذا الهاجس له مسوغ تاريخي على الأقل في نظر الكوريين الشماليين أنفسهم. فهم طالما يتذكرون سنوات الحرب الكورية واحتلال اليابان لشبه جزيرتهم، وتوقف المعونات السوفياتية وسطوة الإمبريالية الأميركية.

ولعل هذا ما يفسر نفورهم من التفاوض كوسيلة لحل النزاع خشية تخليهم نهاية المطاف عن ترسانتهم النووية.

كيف يتسنى إذن للولايات المتحدة التصدي لبرنامج بيونغ يانغ النووي؟ ثمة العديد من الخيارات أمام واشنطن، لكن مجلة "دبلومات" أوجزتها بأربع فقط وهي:

1- منع كوريا الشمالية من امتلاك سلاح نووي عبر توجيه ضربة عسكرية تستأصل ترسانتها من أسلحة الدمار الشامل.

2- القيام بعمل عسكري تقليدي ومحدود أو سلسلة هجمات باستخدام الإمكانيات الجوية والبحرية وربما القوات الخاصة لتنفيذ عمليات محددة.

3- الإطاحة بالرئيس كيم وخلصائه عبر الاغتيالات على الأرجح، وإحلال نظام حكم معتدل يرغب قادته في الانفتاح نحو العالم الخارجي.

4- القبول ببقاء النظام الحالي مع الانصياع لرغبته بتطوير أسلحة نووية مقابل السعي لاحتواء طموحاته، وهو أصعب الخيارات.

فما الحل لهذه المعضلة التي تجعل العالم كله يضع يده على قلبه؟

تقول صحيفة نيويورك تايمز إن الحل الأمثل لوضع نهاية سلمية لهذا النزاع يكمن في عقوبات صارمة على كوريا الشمالية، على أن يترافق ذلك مع الاستمرار في بذل جهود دبلوماسية لتجنب نشوب حرب.

إن التراشق اللفظي بين واشنطن وبيونغ يانغ لن يؤدي سوى لتعقيد الوضع والحيلولة دون تخفيف التصعيد.

المصدر : الصحافة البريطانية,الصحافة الأميركية,رويترز