علي بن فليس: الجزائر تحتاج تغييرا هادئا وتوافقيا

علي بن فليس رئيس حزب طلائع الحريات المعارض بالجزائر  والمرشح الرئاسي لمرتين (الجزيرة)
علي بن فليس رئيس حزب طلائع الحريات المعارض بالجزائر والمرشح الرئاسي لمرتين (الجزيرة)

عبد الحميد بن محمد-الجزائر

يرى رئيس حزب طلائع الحريات المعارض في الجزائر علي بن فليس أن الحكومة التي جرى الإعلان عنها قبل أيام، أعيد تشكيلها من نفس الوجوه ونفس التيارات السياسية ونفس الولاءات التي أعيدت رسكلتها. وأوضح بن فليس المرشح السابق لانتخابات الرئاسة لمرتين في مقابلة مع موقع الجزيرة نت، أن الانتخابات التشريعية الأخيرة -التي قاطعها حزبه- كانت فاقدة لمواصفات النزاهة، وأن سياسة المحاصّة فعلت فعلتها.

ويتوقع السياسي الجزائري أن يكون الرئيس القادم للجزائر رجل التغيير والتجديد شريطة توفره على شروط الشرعية والثقة والمصداقية، ويرى أن البلاد تعيش أزمة سياسية واقتصادية وتصدعا اجتماعيا. وفي ما يلي نص الحوار:

 ما قراءتكم لنتائج الانتخابات البرلمانية الأخيرة، وما أفرزته من هيمنة لأحزاب الموالاة وضعف حضور للمعارضة؟

– لم أستنتج بتاتا من هذا الاستحقاق التشريعي أنه أفرز هيمنة لأحزاب الموالاة وضعفا لحضور المعارضة، فكيف لاستنتاج كهذا أن يثبت في ظل منافسة سياسية مغشوشة وتزوير انتخابي عارم طال كل جوانب الاقتراع؟!

إن سياسة المحاصّة المعهودة فعلت فعلتها، وكل ما في الأمر أن الجهاز السياسي الإداري رتب القوى السياسية حسب معيار الطاعة والولاء، ومنح المراكز الأولى لزبائن السياسيين التقليديين، وفرض على قوى المعارضة تذيل ترتيبه جزاء معارضتها له ورفض الانسياق في خططه السياسية.

إذا أردنا معرفة من مع من؟ وماذا يزن كل فاعل سياسي؟ وكم يزن؟ فعلينا انتظار اقتراع نزيه وطاهر ونقي لأن اقتراع 4 مايو/أيار 2017 كان فاقدا -وبجلاء- لكل هذه المواصفات التي لا يمكن بدونها الحديث بجدية عن تعددية سياسية تفي بعلة وجودها، وعن حياة ديمقراطية حقة لا يستبدل فيها حكم الشعب بإرادة نظام سياسي يدوس الدستور ويتلاعب بكل قوانين الجمهورية، لا لشيء إلا لضمان ديمومته وبقائه رغم أنف الجميع.

والقراءة السليمة بالنسبة لي ليست متعلقة بمن هو الرابح والخاسر في هذه الانتخابات، بل هناك قراءة أهم وأخطر، وهي القراءة التي يفرضها العزوف والنفور اللافتان للجزائريين من الاستحقاق التشريعي الأخير.

فالأرقام صادمة ومقلقة حقا لنتمعن فيها.. الأصوات المعبر عنها بلغت ستة ملايين صوت من أصل كتلة ناخبة تتكون من 23 مليون ناخب، أي أن قرابة ثلاثة أرباع الناخبين الجزائريين لم يعتبروا أنفسهم معنيين بهذا الاقتراع لا من قريب ولا من بعيد.

إن 17 مليون ناخب جزائري عبّر عن امتعاضه وسخطه من اقتراع لم يروا فيه شيئا يمت بصلة إلى انشغالاتهم وتطلعاتهم. أضف إلى هذه الأرقام رقما آخر وهو أن الحزب الأول المنتفع من المحاصة بـ 161 مقعدا لم يحصل إلا على أقل من مليوني صوت، أي 7% من الكتلة الناخبة.

أما الحزب الثاني المنتفع من نفس المحاصة فكان نصيبه 100 مقعد مقابل أقل من مليون ناخب، أي ما يمثل 4% من ذات الكتلة الناخبة. والحزبان مجتمعان لا يمثلان سوى 11% من الكتلة الناخبة، فعن أي أغلبية برلمانية نتحدث إن بقي للمسميات معنى في القاموس السياسي؟

إن التعديل الدستوري في الجزائر والانتخابات التشريعية التي تمت في ظله أبقيا على الانسداد السياسي الراهن كاملا. و من طرائف المنظومة السياسية الجزائرية أن لا وزن إطلاقا في المؤسسة التشريعية للأغلبية أو للمعارضة على حد سواء، ففي الجزائر لا يصح الحديث عن فصل السلطات أو توازنها، وكل ما في الأمر هو جمع لكل السلطات واحتكارها من طرف الجهاز التنفيذي، فلا المعارضة لها هامش تحرك ولا الأغلبية لها حرية التصرف.

 هل تعتقد أن المرحلة الحالية التي تمر بها الجزائر تقتضي تشكيل حكومة سياسية موسعة؟ وهل يوجد اليوم في البلاد هيئة دستورية يمكن أن تسمى حكومة؟

– هذه الهيئة أصبحت الغائب الأكبر عن الصرح المؤسساتي الدستوري، ففي السنة الماضية اجتمعت الحكومة أربع مرات، وهذه السنة -وقد مرت عليها خمسة أشهر- لم تجتمع ولو مرة واحدة، فأين الحكومة التي يمكن بجدية إطلاق عليها تسمية حكومة سياسية موسعة؟ لتخرجْ الحكومة أولا من العالم الافتراضي الذي حبست نفسها فيه، وبعد ذلك نرى ما هي التسمية الحقيقية الجديرة بها.

النظام السياسي يلهينا بتشكيل حكومة ويلصق بها التسميات الرنانة، وكأنه يريد أن ينسينا أنها لا تجتمع ولا تؤدي المهام المنوطة بها دستوريا، وأنه محكوم أيضا على الحكومة القادمة -مهما كان عنوانها- أن لا تجتمع ولا تضطلع بمهامها الدستورية.

ولنتساءل عن أي حكومة سياسية موسعة نتحدث والحال أن الحكومة أعيد تشكيلها من نفس الوجوه ونفس التيارات السياسية ونفس الولاءات التي أعيدت رسكلتها؟

وأخيرا إذا بقي للأفعال السياسية معنى، فإن الحكومة السياسية الموسعة تشترط الاتفاق بين المشاركين فيها على برنامج سياسي توافقي مسبق. أما عندنا فلا يعدو الأمر أن يكون سوى عملية توزيع حقائب ومناصب، وليس تكوين طاقم في خدمة مشروع سياسي واضح المعالم والأهداف والمحطات. يقال إن هذا الطاقم في خدمة برنامج رئيس الجمهورية، في حين لا يوجد أثر لبرنامج كهذا على أرض الواقع.

 على بعد سنة ونصف من إجراء الانتخابات الرئاسية، يكثر الحديث في الساحة الجزائرية عن خلافة الرئيس بوتفليقة والصراع بين الطامحين لخلافته، هل تعتقد أن هناك فعلا خلافات داخل نظام الحكم حول خليفته؟

– الكثير منا استغرب تحويل التشريعيات الأخيرة إلى شبه رئاسيات قبل الأوان من طرف بعض الفاعلين النافذين في النظام السياسي القائم. والثابت أنه يصعب الحديث اليوم في بلادنا عن نظام حكم متماسك ومتجانس ومتناغم، بل الثابت أن هناك انفلاتا مؤسساتيا أكدته -بما لا يدع مجالا للشك- الطريقة الغريبة والعجيبة التي تمت بها عملية تشكيل الحكومة، وهي طريقة مخالفة لنص الدستور وللضوابط المنظمة لعملية بهذه الدرجة من الأهمية والحساسية وحتى للأعراف المتبعة في الجزائر في تشكيل الحكومات منذ استقلال البلد.

وتَرسَّخ نتيجة كل هذا انطباعٌ عند عامة الناس أن البلد لم يعد محكوما من طرف المسؤولين المخولين دستوريا بحكمه، وإنما استولت على زمام أموره قوى غير دستورية أضحت تتلاعب بحرمة ومصير الدولة الوطنية.

 شكلت الانتخابات البرلمانية الأخيرة نقطة افتراق وانقسام في مواقف أحزاب المعارضة التي نجحت لأول مرة في التكتل قبل نحو ثلاث سنوات، هل ترى أنها يمكن أن تلتقي مجددا وتلم شتاتها بعد الملاسنات التي حصلت بين المقاطعين والمشاركين؟

– قناعتي الراسخة أن هناك مرحلة ما قبل 4 مايو/أيار 2017 ومرحلة ما بعد هذا التاريخ، فمقاطعة قرابة ثلاثة أرباع الناخبين لاستحقاق تشريعي ليس بالأمر الهين أو العابر.. إن مقاطعة بهذا الحجم تستدعي الوقوف عندها والتمعن فيها والاسترشاد بكل رسائلها السياسية.

وما أود أن أشدد عليه أن هذه الرسائل السياسية موجهة بنفس المقدار إلى النظام السياسي القائم والمعارضة الوطنية، فكلاهما مدعوّ لقراءة هذه الرسائل السياسية قراءة حسنة، وأعني بها قراءة حكيمة متبصرة.

إن المعارضة الوطنية في نظري مدعوة -في هذه المرحلة بالذات وقبل أي تحرك آخر- إلى توحيد قراءتها لهذه الرسائل السياسية، وبعد ذلك توحيد ردها عليها. وهناك مشاورات ستنطلق بين أحزاب المعارضة في الاتجاهين.

ولا شك أن قاسما مشتركا بشأنهما سيتبلور من خلال هذه المشاورات يمكن للمعارضة الالتفاف حوله لمواجهة الأخطار الحقيقية المحدقة بالبلد، والمتمثلة في الانسداد السياسي والانفلات المؤسساتي والأزمة الاقتصادية الخانقة والتصدع الاجتماعي الذي تتعدد وتتنوع مصادره.

 يحذر مراقبون من المرحلة المقبلة ومن أزمة اقتصادية تؤدي إلى اضطرابات اجتماعية جراء إجراءات غير شعبية قد تتخذها الحكومة، فهل هناك فرصة ما لتجنيب البلد الدخول في منطقة اضطراب؟

– دعني أقل لك بكل صدق إن هناك ما هو أخطر من الأزمة الاقتصادية رغم حدتها الاستثنائية، وما هو أثقل من المخاطر من التصدع الاجتماعي رغم اشتداده واحتداده.. إنه الانسداد السياسي والانفلات المؤسساتي، فكيف للبلاد أن تكون في موقع صلب للتصدي للأزمة الاقتصادية، وتجنب نفسها بلايا التصدع الاجتماعي وهي في حالة انسداد سياسي وانفلات مؤسساتي؟

وكيف لحكومة لم تجتمع طيلة السداسي الأول من هذه السنة أن تتكفل وتعالج وتأتي بالحلول للمشاكل الاقتصادية والاجتماعية؟ وكيف لنظام سياسي جعل من النافرين والعازفين عن الاستحقاق التشريعي الأخير أعظم حزب معارض له بـ17 مليون منخرط؛ أن ينجح في تجنيد الجزائريين أو أن يطلب منهم الجهد والتضحية لمواجهة الأزمة الاقتصادية والمعضلة الاجتماعية؟

وكيف لنظام سياسي تفتقر مؤسساته السياسية إلى الشرعية والتمثيل والمصداقية والثقة، ولا يهمه سوى كسب الوقت والدوام؛ أن يزعم أنه صاحب الحلول، في وقت تراه فيه الأغلبية الساحقة من شعبنا صانعا للمشاكل لا الحامل لسبل فضها؟

وكيف لنظام سياسي أوصل البلاد إلى الانسداد السياسي الذي هي فيه، وإلى أزمة اقتصادية غير مسبوقة، وإلى أزمة اجتماعية وخيمة العواقب؛ أن يوهم أيا كان بأنه قادر على إصلاح ما أفسد، وإعادة تعمير ما دمر، وتقويم كل ما كان هو نفسه المسؤول الأول عن اعوجاجه؟

إن أمّ الأزمات التي تتخبط فيها الجزائر راهنا هي الأزمة السياسية، ولا مفر ولا ملاذ إلا في حل هذه الأزمة السياسية عن طريق التغيير الهادئ والسلس والتدريجي والتوافقي.

 هل يرى علي بن فليس أن مؤسستي الجيش والاستخبارات في الفترة الحالية لا تزالان تلعبان دورا مؤثرا وحاسما في اختيار الرئيس؟

– أشرتُ منذ قليل إلى الانسداد السياسي والانفلات المؤسساتي وقصدت بهذا المفهوم حالة التعطل التي تعاني منها المؤسسات السياسية للبلد، وفي هذا المشهد السياسي القاتم لم يبق هناك سوى المؤسسة العسكرية تقوم بمهامها الدستورية وتحمي الدولة الوطنية.

فإذا كان الهدف حقا الخروج من هذا الانسداد السياسي ووضع حد نهائي لهذا الانفلات المؤسساتي، فلا خيار آخر لنا سوى تمكين الشعب الجزائري من اختيار الرئيس القادم للبلاد بنفسه، دون مصادرة لإرادته وحكمه.

وشخصيا أرى في الرئيس القادم للبلاد رجل التغيير والتجديد، وحتى يتسنى له ذلك وبالنظر إلى حجم التحديات التي يتوجب رفعها ونوعية الرهانات التي لا بد من كسبها، فمن الضرورة بمكان أن تكون لهذا الرئيس من الشرعية والمصداقية والثقة ما يؤهله إلى فتح الورشات الكبرى السياسية منها والاقتصادية والاجتماعية، وهي الورشات المفصلية والمصيرية بالنسبة للجزائر.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

تساءلت صحف جزائرية السبت عن “من يسمع صوت الغضب الشعبي” غداة إعلان نتائج الانتخابات التشريعية التي شهدت نسبة مشاركة ضئيلة في التصويت، وفازت فيها أحزاب السلطة كما كان متوقعا.

المزيد من تقارير وحوارات
الأكثر قراءة