يوميات مسحراتية مصرية

كريمة المسحراتية تعمل بدلا من زوجها الكفيف (الجزيرة نت)
كريمة المسحراتية تعمل بدلا من زوجها الكفيف (الجزيرة نت)

عبد الله حامد ـ القاهرة

لم يكن ليخطر ببال واحد من الذين مارسوا مهنة المسحراتي على مر العصور بمصر أن تتسلم رايتهم -أو طبلتهم- امرأة تدق عليها وهي تدب على الأرض ليلا، لتشق صمت ليل الذين لم يناموا أمام شاشات التلفزيون لمتابعة سيل الأعمال الدرامية.

هي كريمة المرأة الأربعينية التي لا عمل ثابتا لها غير خدمة أسرتها المكونة من ستة أطفال وزوج كفيف، وأحيانا تعين بعض سيدات قرية "ظهر الجمل" بأسيوط في الأعمال المنزلية بمقابل بسيط، لكنها ما إن تدق الساعة الواحدة صباحا في ليلة من ليالي شهر رمضان حتى تحمل طبلتها الضخمة وتدق عليها في جولتها الليلية كمسحراتية.

"تسلمت الطبلة من الزوج بعد تقاعده عن العمل كمسحراتي"، هكذا تحكي كريمة في حديثها للجزيرة نت وهي تبرز من ظلام منتصف ليل الشارع، لتضيف وهي تتوقف لتلتقط الأنفاس "اضطررت لهذا العمل الموسمي بعد أن أمسى زوجي كفيفا".

وكان الزوج يعمل كمسحراتي في رمضان، حين كان يتوقف عن العمل نقاشا، حيث يفضل معظم المصريين تأجيل المهام والأعمال غير العاجلة لما بعد الشهر الفضيل، وحينما غشي العمى عيني الزوج "ظللت أصطحبه مرشدة له في جولاته حتى أقعده المرض عن الخروج من المنزل، فاضطررت للعمل وحدي، وأحيانا برفقة أحد أبنائي".

تستعد كريمة المسحراتية -وهذا هو اسم شهرتهاـ لاستئناف عملها الموسمي حينما تدق الساعة الثانية عشر ليلا، بعدما تجهز ما تيسر من سحور أسرتها، ثم تعرض سطح الطبلة للنار ليشتد جلدها، ويصدر أصواتا أقوى حينما تقرعها، ثم تعلق طبلتها الثقيلة على كتفها، وتخرج للسير في أزقة منطقتها وهي تدق على الطبلة.

وتقول المسحراتية إن الناس يجودون عليها ومعظمهم من الأطفال بما يتيسر من المال، وغالبا ما يكون جنيها واحدا (نحو أربعة سنتات) يقدمه كل طفل. ومن يمنحها هذه الليلة ربما لا يدفع غدا" كما تروي كريمة، "فالناس هنا دخولها محدودة، وآخر الليل تكون الحصيلة جنيهات معدودة، بالكاد تكفي لشراء باقي مستلزمات السحور للأسرة، وادخار القليل لمستلزمات العيد".

ويتسابق أطفال أقباط إلى كريمة المسحراتية ليتقاسموا بهجة عبورها الصاخب مع الأطفال المسلمين، حيث يمثل الأقباط نسبة كبيرة من سكان القرية.

كريمة المسحراتية تستعين على شظف العيش ببضعة جنيهات تحصل عليها كل ليلة (الجزيرة نت)

"لم تعد للمسحراتي تلك الأهمية القديمة"، حسب محمد عبده، وهو موظف ومن أهل القرية، "فالناس أصلا ساهرون أمام شاشات التلفزيون لمتابعة سيل الدراما المنهمر على أعينهم وآذانهم، وربما بات صوت الطبلة مصدر إزعاج لهم يشوش على متابعتهم للمسلسل الدائر".

غير أن "الأطفال الساهرين هم الذين يجرهم الشغف للخروج إلى الشارع والمشي وراء المسحراتي" كما تقول سمية أحمد، وهي على المعاش ومن سكان القرية، فهو "ما يصنع بهجة لقدوم المسحراتي والأطفال من حوله".

وهناك ما يشبه الميثاق بين المسحراتية في القرية التي يتقاسمون شوارعها، ورغم أن كريمة الأنثى الوحيدة التي اخترقت مجال مهنتهم الموسمية المقتصرة على الذكور، فإن "الجميع يحترم المنطقة التي تعمل بها، فلا يجور عليها أحد من المسحراتية الرجال، حيث تجوب بضعة شوارع معروفة بالاسم والرسم" كما يقول عبد الغفور سليم وهو موظف من أبناء القرية.

ويسهل تمييز دقات طبلة كريمة، فهو "قرع رقيق هين" بوصف عبد الغفور، "فهي في النهاية دقات يد أنثى". 

وتقول كريمة "لا مؤنس من وحشة الطريق ليلا سوى صحبة الأطفال الذين يسلمونني من شارع لشارع، وعموما فالقرية آمنة، والحافظ هو الله على أية حال".

وقبل الفجر بدقائق تعود كريمة لأبنائها الستة في دارها المستأجرة، لتضع اللمسات الأخيرة على طعام السحور لأسرتها، وهي تقول "يغنيني القرع على الطبلة بيدي عن مدها لأحد طلبا للمال في شهر النفحات والرحمات".

أما المسرات فهي ليست في حسابات كريمة وأسرتها، فلا جهاز تلفزيون لديها لمتابعة الأعمال الدرامية الرمضانية، وهذه الطبلة هي كل رأسمالها الذي تحافظ عليها طيلة العام.

المصدر : الجزيرة