"مانيش مسامح".. صرخة شباب تونس ضد الفساد

جانب من احتجاجات المتظاهرين ضمن حملة "مانيش مسامح"/شارع الحبيب بورقيبة/العاصمة تونس/مايو/آيار 2017
جانب من احتجاجات تونسيين ضمن حملة "مانيش مسامح" بشارع الحبيب بورقيبة (الجزيرة نت)

خميس بن بريك-تونس

رغم كل ما قيل عن عزوفهم عن السياسة، يخوض شباب تونسي معركة مصيرية في شوارع العاصمة ضمن حملة أطلقوا عليها "مانيش مسامح" (لن أسامح) للتصدي لمشروع قانون المصالحة مع المتورطين في الفساد الذي يحاول الرئيس الباجي قايد السبسي تمريره تحت مبرر إنعاش الاقتصاد.

ومضى أكثر من عامين على انطلاق أول تحرك احتجاجي في العاصمة تونس تحت هذا الشعار، بيد أن الوهج الثوري لنشطاء هذه الحملة مازال متدفقا حيث نجحوا في تنظيم احتجاج جديد أمس السبت، التحق به مواطنون وسياسيون بمختلف توجهاتهم للتعبير عن رفضهم للقانون المطروح حاليا في البرلمان.

وفي زحام المتظاهرين الذين تبللت عرقا قمصانهم الموشح عليها شعار مطرقة العدالة والتي ترمز لحملة "مانيش مسامح" تساعد الناشطة مريم بريبري (29 عاما) رفاقها على تنظيم الاحتجاج حتى يبقى سلميا ولا يخرج عن السيطرة، في حين يراقب رجال الأمن بشدة خطوات المتظاهرين المتحمسين.

تقول هذه الطالبة -التي تدرس قانون الشؤون العقارية- للجزيرة نت إن هناك هبّة كبيرة من قبل المواطنين والسياسيين ومنظمات المجتمع المدني لمعاضدة جهود الحملة التي "لم تحتل المنابر الإعلامية وإنما توجهت للرأي العام بالشارع والمقاهي وأماكن العمل ووسائل النقل لتحسيسهم بخطورة قانون المصالحة".

اكتسبت مريم -التي شاركت في تأسيس النواة الأولى للحملة مع نشطاء آخرين- تجربة في الحراك الاجتماعي بفضل مشاركتها في حملات سابقة بعد الثورة مثل "حتى أنا حرقت مركز" التي دافعت عن شباب الثورة الذين لوحقوا بتهمة حرق مراكز أمن و"خوذ حق الرصاصة وأعطي حق الشهيد" المدافعة عن ضحايا الثورة.

ومع أن الرئيس السبسي استهجن في خطابه الأخير التحركات الاحتجاجية، ولوّح بمزيد من تفعيل قانون الطوارئ، ترى مريم أن الحملة استطاعت أن ترد على تهديداته ووعيده بتعبئة الرأي العام وتجميع السياسيين والمنظمات للاحتجاج في الشوارع تحت شعار واحد "مانيش مسامح".

وبين ثنايا المتظاهرين الذين يرفعون الأعلام ويهتفون بشعارات منددة بتهديدات السبسي، يظهر الفنان ياسر جرادو الذي طالما تغنى بالحرية وانتقد في أغانيه معاناة المهمشين، ليقول للجزيرة نت إنه جاء ليقاسم المتظاهرين غضبهم من تمسك الرئيس بتمرير قانون "يهدف للعفو عن الفاسدين".

ويلفت انتباه جرادو الروح الشبابية الطاغية على الحملة التي استطاعت أن توحد صفوف شباب ينتمون لمدارس فكرية مختلفة ضد "عدو واحد" هو محاربة الفساد، ويقول "بعد فترة من السكون استوعب الشباب الوضع الخطير واللحظة المفصلية التي تعيشها البلاد، وأخذ بزمام المبادرة بأشكال تعبيرية مبدعة لحماية الثورة".

وليس بعيدا عنه، يتحاور جوهر بن مبارك أستاذ القانون المناوئ لمشروع قانون المصالحة الاقتصادية مع متظاهرين يدونون لحظات المسيرة الاحتجاجية. ويرتدي أيضا قميصا مكتوبا عليه "مانيش مسامح" للتعبير عن رفضه لقانون "لا دستوري يكرس الإفلات من العقاب ويطمس الحقيقة والعدالة".

وبقدر ما يبدو غاضبا من محاولات فرض هذا القانون، تظهر على تقاسيم وجهه علامات الفخر بالشباب المتظاهر الذي لم يتوقف منذ عام 2015 عن الاحتجاج بالشوارع ضد القانون، ويقول "هؤلاء الشباب كانوا بعد سقوط النظام القديم أطفالا وقد بدأ وعيهم السياسي يتشكل في فترة ثورة.. لذلك لن يقبلوا بعودته".

حملة
حملة "مانيش مسامح" استقطبت اهتمام شباب من مشارب سياسية مختلفة

وفي ظل حالة من انعدام الثقة بالأحزاب السياسية، يرى بن مبارك أن النضج التدريجي لهؤلاء الشباب ونجاحهم باستمرار حركتهم الاحتجاجية الموحدة "سيساعدهم على بناء هوية سياسية وتأسيس مشروع حركة سياسية كبيرة قادرة على قلب موازين القوى في البلاد".

وعن إمكانية التوجه لتأسيس حركة سياسية، يقول المحامي والحقوقي شرف الدين القليل وأحد المشاركين في تأسيس النواة الأولى للحملة إن "الاهتمام موجه حاليا لاستكمال المعركة ضد قانون المصالحة" مبينا أن هذا القرار يعود لبقية نشطاء الحملة التي لا تعتمد تنظيما هرميا عموديا وإنما "تسير بأسلوب أفقي مرن".

وأوضح المحامي أن "من بين الأسباب الرئيسية لديمومة هذه الحملة وتواصلها هو طابعها الأفقي ومرونة التعامل بين نشطائها وروح الإخاء والمحبة فيما بينهم، ناهيك عن استقلاليتها عن الأحزاب السياسية وتواصلها المباشر مع الرأي العام واعتماد طريقة التمويل الذاتي من خلال بيع القصمان والشعارات".

المصدر : الجزيرة