تفجيرات الكنائس بمصر.. عجز أمني أم تواطؤ؟

آثار التفجير الذي أصاب كنيسة مار جرجس في طنطا (رويترز)
آثار التفجير الذي أصاب كنيسة مار جرجس في طنطا (رويترز)

أحمد دعدوش

ما زال المصريون يذكرون وزير الدفاع عام 2013 عبد الفتاح السيسي عندما طالب الشعب بمنحه تفويضا لمحاربة "الإرهاب المحتمل"، وهو التفويض الذي اتخذه جسرا للانقلاب على سلطة رئيسه المنتخب محمد مرسي، لكن النتيجة بعد ذلك كانت انتشار الإرهاب لا القضاء عليه.

فقد تصاعدت الهجمات ضد الجيش والشرطة في شمال سيناء، وما زالت كنائس المسيحيين هدف "الإرهاب" المفضل، حيث كانت آخر محطاته كنيستين بالإسكندرية وطنطا الأحد، مما يطرح شكوكا تتفاوت بين التواطؤ والعجز الأمني.

عشية احتفالات رأس السنة 2011، شهدت كنيسة القديسين بالإسكندرية تفجيرا قتل فيه 24 شخصا وأصيب أكثر من مئة، وكاد أن يتسبب في فتنة طائفية عندما احتشد مئات المسيحيين أمام المسجد المقابل للكنيسة بهدف اقتحامه.

لكن رياح الثورة غير المتوقعة أسقطت نظام الرئيس حسني مبارك بأكمله بعد أسابيع، لتُنشر لاحقا وثائق وشهادات تتهم وزير الداخلية آنذاك حبيب العادلي بتدبير ذاك التفجير ثم إلصاق مسؤوليته بجماعة "جيش الإسلام" الناشطة في قطاع غزة والمقربة من تنظيم القاعدة.

واللافت أن كنائس مصر باتت هدفا أثيرا لدى الجماعات الموسومة بالإرهاب في ظل حكم السيسي الذي جاء إلى الحكم بما أسماه "تفويضا" لمقاومة الإرهاب، فمنذ مطالبته بالتفويض في يوليو/تموز 2013 وقعت أربع هجمات في كنائس وكاتدرائيات كبرى، وبات تنظيم الدولة الإسلامية هو الوجهة المسؤولة عنها، كما هو مسؤول أيضا عن عشرات الهجمات والاشتباكات المتواصلة في سيناء.

سيف عبد الفتاح: هناك خطة
لإفراغ سيناء من أهلها (الجزيرة)

تسييس الهجمات 
وقد تبدو فرضية تسييس الهجمات على الكنائس مفهومة طالما أن "شرعية" الانقلاب قامت أساسا على مقاومة الإرهاب وما زالت تتغذى عليها، لا سيما أن السيسي حصل مؤخرا على "تفويض" آخر من الرئيس الأميركي الجديد دونالد ترمب، ففي لقائهما بالبيت الأبيض أشاد ترمب بالسيسي قائلا إنه "يقوم بعمل رائع وسط ظروف صعبة"، مضيفا "لديك صديق حميم هنا في الولايات المتحدة".

وفي حديث للجزيرة، يرى أستاذ العلوم السياسية سيف عبد الفتاح أن الأمر يتعلق بـ"صفقة القرن" التي عقدها السيسي مع ترمب، ومفادها -حسب قوله- أن يتم إفراغ سيناء من أهلها، ثم وضعها تحت سلطة دولية، تمهيدا لفرض واقع سياسي يشمل قطاع غزة أيضا.

وإذا كان نظام مبارك قد استهدف فعلا كنيسة القديسين لإشعال فتيل الفتنة قبل سقوطه، فمن الجدير بالاهتمام ما نقلته وسائل إعلام محلية الأحد عن هتافات رددها بعض المسيحيين الغاضبين في الإسكندرية، ومنها "الشعب يريد إعدام الإخوان"، بينما لا تزال أحكام الإعدام بحق قادة الإخوان المسلمين معلقة.

مظاهرات غاضبة واعتداء على مدير أمن الغربية (ناشطون)

غضب وتساؤلات
من جهة أخرى، صب المتظاهرون جام غضبهم أيضا على السلطات نفسها واتهموها بالتراخي الأمني، كما اشتبكوا مع الشرطة حول الكنيسة المرقسية بالإسكندرية، وقطعوا بعض الطرق في مظاهرات ترفع شعارات ضد النظام، بينما أوسعوا مدير أمن محافظة الغربية ضربا أمام كنيسة مار جرجس، وذلك قبل أن تقيله وزارة الداخلية.

وربما يبرر المسيحيون الغاضبون موقفهم بعدم وفاء السيسي بوعده، فقبل شهرين تعرضت طائفتهم لسلسلة هجمات في محافظة شمال سيناء، وتسببت في نزوح الكثير من أسرهم، مما دفع السيسي إلى تقديم التعهدات بحمايتهم، لكن تفجيرات الأحد تضع مصداقية الرئيس على المحك.

كما تثير التفجيرات تساؤلات عن فحوى انتقالها من محافظة نائية مثل شمال سيناء إلى مدن مكتظة في وسط البلاد، فإذا كانت سيناء تشهد خطة للتهجير والتقسيم في خضم حرب واسعة النطاق، فإن انتقال العنف إلى المدن الكبرى قد يكون مؤشرا على وجود ثغرات أمنية تستغلها جهات تسعى لضرب النظام في العمق.

وسواء كان الأمر نتيجة تواطؤ أو فشل أمني، فقد درج مسؤولون غربيون على انتقاد إستراتيجية السيسي في "مكافحة الإرهاب" برمتها، وذلك قبل أن يشيد بها ترمب، ففي أواخر عهد سلفه باراك أوباما وصف توم مالينوفسكي مساعد وزير الخارجية الأميركي تلك الإستراتيجية بأنها الأسوأ على الإطلاق، مشددا على ضرورة الإصلاح السياسي والتصالح مع الأحزاب الإسلامية السلمية.

لكن الغموض ما زال سيد الموقف حتى الآن، فإذا كانت التحقيقات بشأن الجهة المسؤولة عن تفجير كنيسة القديسين في ظل حكم مبارك لم تُعلن بعد، وإذا كان تبني تنظيم الدولة للتفجيرات التي استهدفت الكنائس منذ ذلك الحين لا تعدو كونها بيانات صحفية، فسيكون من الصعب إذن التنبؤ بالمستقبل الأمني في ظل حكم انقلابي.

المصدر : الجزيرة