مخيم امبرة.. مهجر يجمع شتات الأزواديين

الأزواديون في غربة قاسية بمخيم امبرة (الجزيرة)
الأزواديون في غربة قاسية بمخيم امبرة (الجزيرة)

بابا ولد حرمة-مخيم امبرة شرقي موريتانيا

مهما تفحصت ملامح عبدو ولد أحمد الوافي، فمن الصعب أن تقرأ من خلالها مشاعر محددة. ولن تسعفك فراستك، مهما حاولت، أن تعبر إلى ما يختلج داخل نفسه.

تقول قسمات وجهه إنه منهك حد الإرهاق، وتحكي ثيابه وثياب زوجته الرثة عن رحلة متعبة وانتظار طويل، وتعلو شفتيه بسمة ارتياح.

بهذه المتناقضات كلها يخطو ولد الوافي رفقة زوجته خطواتهما الأولى لاجئين كاملي الحقوق، بعدما أكمل إجراءات التسجيل، فيقترب عدد اللاجئين المسجلين على لوائح المفوضية العليا لشؤون اللاجئين في مخيم امبرة شرقي موريتانيا من خمسين ألف لاجئ.

عدد اللاجئين المسجلين بالمخيم يقترب من خمسين ألف لاجئ (الجزيرة)

يمتد المخيم الواقع في قلب الصحراء على مد البصر. تعكس الدكنة والتآكل اللذان نالا من غالبية الخيام عمر هذا التجمع الذي وصل خمس سنوات، وتنفرد عشرات الخيام في الجانب الشرقي بنصاعة لون وبياض لم تنل منهما بعد شمس الصحراء الحارقة.

الحي الجديد أقيم بعد موجة العنف الأخيرة التي شهدها إقليم أزواد شمالي جمهورية مالي نهاية عام 2016، ودفع استمرارها -وما خلفت من اضطرابات أمنية وأعمال نهب- بولد الوافي وزوجته توف بنت الداه، وبمئات اللاجئين باتجاه الأراضي الموريتانية.

الرحيل عن أزواد
لا تعرف بنت الداه كثيرا عن ملامح الصراع الدائر في الإقليم المضطرب، ولا تدرك عمق الأزمة السياسية والأمنية التي يعيشها إقليم أزواد. تعترف وحسب أنه لم يعد بإمكانها مواصلة العيش في قرية لكويسي بمنطقة ليرنب، إثر تكرر عمليات السطو المسلح في الأرجاء.

فذاك هو الواقع بعد أزيد من أربع سنوات على التدخل الفرنسي الذي أزاح تنظيم القاعدة والجماعات المرتبطة معها من كبريات مدن الشمال المالي، وبعد سنتين من توقيع اتفاقية للسلام بين باماكو والفصائل الأزوادية المسلحة.

عمر المخيم الواقع في قلب الصحراء بلغ خمس سنوات (الجزيرة)

تقول توف "لم نستطع تحمل المخاطر، وأفزعتنا الأنباء المتكررة عن عمليات السلب والقتل من حولنا". وتتابع "لم أعد أنام في الليل من الفزع، فقررت وزوجي الرحيل".

تتنوع ملامح وحكايات وعرقيات آخر الهاربين من إقليم أزواد، عرب وطوارق وفلان من وسط وشمال مالي، لكنها تصب كلها في النهاية في هذا المخيم، لتمتزج وتشكل حكاية واحدة لها لون الضياع وطعم الغربة والتشرد.

حكاية يتجرعها الجميع بمرارة، ويعبر عنها ببراءة أطفال المخيم الذين يرددون شعارات لم تعد تطرحها الحركات الأزوادية "أزواد، مالي نو" أو "لا لمالي، نعم لأزواد".

وكما تُشتِّت الحروب ودورات العنف المسلح، وتُقطِّع أوصال الأسر والعائلات، فإنها تجمع أحيانا بعض من فرَّقت. تستقبل مريم ولت المبارك، بعد طول فراق، فاطي ولت المحمد التي التحقت أخيرا بالمخيم.

ضيوف جدد
تأسف ولت المبارك أن ليس بإمكانها أن تقدم لقريبتها واجب الضيافة الذي تمليه عليها التقاليد والأعراف المحلية، فبالكاد تبقى لديها من الأرز الذي تقدمه مفوضية اللاجئين ما يكفي ليسد احتياجاتها وأبنائها الأربعة حتى دورة التوزيع الشهرية المقبلة، وهي مضطرة الآن لتقاسمه مع الوافدة الجديدة.

اللاجئون يحاولون التكيف في ظل نقص المساعدات (الجزيرة)

تشكو ولت المبارك مما تقول إنه تناقص مستمر في المساعدات التي باتت تقتصر على تقديم 12 كلغ من الأرز وخمسة دولارات في الشهر للفرد الواحد، بعد أن كانت تشمل السكر والزيت، وبعض الخضراوات المجففة.

تراجع يبرره إبراهيما بوكوم الموظف الميداني في المفوضية العليا لشؤون اللاجئين بـ "نقص الموارد المالية، وتوسع مناطق النزاع عبر العالم خلال السنوات الثلاث الأخيرة".

ويضيف بوكوم "حتم علينا ذلك خفض حجم المساعدات التي نقدم هنا لعشرات آلاف اللاجئين، لكننا مستمرون في دعم اللاجئين طالما لم تسمح لهم الظروف بالعودة إلى بلادهم، وتوفير ضروريات الحياة مثل المسكن والمياه والغذاء والدواء".

بوكوم: المفوضية اضطرت لخفض المساعدات في امبرة (الجزيرة)

وينعكس سوء الأوضاع المعيشية وقساوة الظروف الطبيعية سلبا على الحالة الصحية لسكان المخيم.

ورغم الجهود التي تبذلها جهات متعددة في تقديم الخدمات الصحية للاجئين، مثل منظمة أطباء بلا حدود والحكومة الموريتانية، فإن الزائر للمراكز الصحية بالمخيم لا تخطئ عيناه حالة النقص في الكوادر والمعدات الطبية، مقارنة مع الإقبال الكثيف للمصابين بأمراض من أكثرها انتشارا سوء التغذية والإنتانات التنفسية والرمد الحبيبي لدى الأطفال خاصة.

أمراض يقول البكاي ولد محمد، العامل في أحد المراكز التابعة لوزارة الصحة الموريتانية، إن "انتشارها يعود إلى سوء الظروف المناخية وانتشار الأتربة والغبار في المنطقة".

ظروف إنسانية صعبة وشاقة لا يبدو لها من تحسن في المدى المنظور، وقد تكون أسوأ بكثير مما توقع ولد الوافي حين غادر وزوجته قريتهما وتركا خلفهما قطيع الأغنام. فقد يواجهان هنا نقص الغذاء، وحتى شبح الجوع. لكن ربما يكون عزاؤهما أنهما سيواجهان كل تلك الصعاب في سلام وأمان.

المصدر : الجزيرة