هل سينتهي تنظيم الدولة في سوريا والعراق؟

أحد عناصر الجيش العراقي داخل مبنى كان تحت سيطرة تنظيم الدولة بمدينة الموصل (رويترز)
أحد عناصر الجيش العراقي داخل مبنى كان تحت سيطرة تنظيم الدولة بمدينة الموصل (رويترز)

زهير حمداني 

تشير التقديرات التي نشرتها مراكز الأبحاث الدولية والوقائع الميدانية إلى أن تنظيم الدولة الإسلامية بدأ يمر بسرعة من مرحلة التمدد إلى الانكماش على الصعيدين العسكري والجغرافي في العراق وسوريا، مما يشي باقتراب سقوطه على الأقل ككيان جيوسياسي في المنطقة، ويطرح بالتالي تساؤلات عن سيناريوهات مستقبله هناك.

ويؤكد مركز (IHS Markit) لرصد النزاعات أن تنظيم الدولة فقد حتى مارس/آذار الماضي أكثر من نصف الأراضي التي كان يسيطر عليها في كل من العراق وسوريا، وأنه يوشك على فقدان أبرز معاقله: الموصل والرقة، مما يؤدي كنتيجة -شبه حتمية- إلى انهياره مع خسارته المواقع التي تضمن الربط الجغرافي بين المدينتين الأبرز ضمن "دولته".

ومنذ أوائل العام الماضي لم يشن تنظيم الدولة هجمات كبيرة ولم يحقق انتصارات ميدانية تذكر سوى تلك التي استرد خلالها مدينة تدمر من قوات النظام السوري في ديسمبر/كانون الأول الماضي، قبل أن يستعيدها النظام ويوسع نطاق سيطرته حولها، أو كذلك في مدينة دير الزور حين شن هجمات على الجزء المتبقي لدى النظام، ولم يستطع أيضا أن يحسم المعركة، فيما لم ينفذ أي عملية كبرى في العراق.

وتشير التحركات العسكرية والسياسية في سوريا إلى أن القوى المتصارعة هناك قد بدأت فعليا ترتيبات ما بعد تنظيم الدولة أو "وراثة دولة الخلافة" -الذي ساهم بشكل أو بآخر في تشكيل خرائط نفوذ جديدة في سوريا- حيث رسمت واشنطن مناطق نفوذها في المنطقة سواء في الجزيرة (الحسكة) وحتى الحدود العراقية والرقة، خصوصا بعد الإنزال الأخير في الطبقة على نهر الفرات والقواعد التي تقيمها في المنطقة الشرقية.

وتتسابق المعارضة المسلحة والنظام للسيطرة على مناطق لتنظيم الدولة في البادية من القلمون الشرقي إلى السويداء ودرعا ودمشق حتى ريف حمص وتدمر، فيما رسمت تركيا خطوط السيطرة عبر درع الفرات في الشمال السوري، وهو ما تفعله روسيا في الشمال والوسط أيضا بالتنسيق مع النظام أو الأكراد.

عناصر من الشرطة الاتحادية العراقية في أحد شوارع الموصل بعد استعادتها من تنظيم الدولة (رويترز)

الانحسار
فعلى الصعيد الميداني، خسر تنظيم الدولة بين سنتي 2015 و2016 وبداية 2017 مراكزه الأساسية ذات الثقل السكاني في العراق -والتي تقع ضمن بيئته الحاضنة كما يقول- ومن ضمنها مدن أبو غريب (بغداد) وتكريت (صلاح الدين) والرمادي والفلوجة وكبيسة وهيت والرطبة (الأنبار) وسنجار، ومعظم القرى والمدن في محافظة نينوى باتجاه الموصل.

وإذا كانت العملية العسكرية في مدينة الموصل في مراحلها الأخيرة -وفق ما يؤكد البنتاغون ووزارة الدفاع العراقية- فإن تنظيم الدولة سيفقد بنهاية هذه المعركة معظم مواقع سيطرته في العراق إلا من جيوب بسيطة لا تكفل له أي تأثير عسكري حقيقي في بلاد الرافدين على الأقل في المرحلة الراهنة.

وفي سوريا تراجعت سيطرة تنظيم الدولة بشكل كبير، إذ خسر كل المواقع التي كانت خاضعة له على الحدود التركية السورية (في حلب والرقة أساسا) بما فيها الباب، وقبلها منبج ومارع، وقرى وبلدات شمال حلب، وفي ريفها الشرقي إلى حدود ضفة نهر الفرات بما فيها تادف ودير حافر، ومؤخرا مواقع في الطبقة (الرقة) ومطارها، وعددا كبيرا من القرى في أرياف تلك المحافظة، كما خسر تدمر-بعد استعادتها من النظام- ومواقع أخرى في ريف حمص الشرقي، بما فيها حقول غاز مهمة.

وخسر تنظيم الدولة أواخر مارس/آذار الماضي مواقع في ريف درعا الغربي والشرقي، خصوصا في منطقة اللجاة، كما انسحب من عدد من كبير من القرى في ريف السويداء تحت ضغط المعارضة والنظام، وفي منطقة القلمون الغربي الشرقي، إذ خسر بلدات وتلالا حاكمة لفائدة المعارضة المسلحة، مما أفقده إمكانية ربط مناطق سيطرته هناك بالبادية وريف حمص وحتى الحدود العراقية.

تنظيم الدولة سيطر على مساحات شاسعة من العراق وسوريا سنة 2014 (الجزيرة)

عوامل الانكشاف
ويشير محللون عسكريون ومراكز لرصد النزاعات إلى أن تنظيم الدولة فقد بالأساس القدرة على وصل مواقع سيطرته ومرونة الحركة والإمداد والدعم اللوجستي رغم سيطرته حاليا على الحدود السورية العراقية من الجهتين، وهو ما يهدد ركنا أساسيا من أركان "دولة الخلافة" التي كانت متصلة جغرافيا سواء بين سوريا والعراق أو داخل كل دولة، وهو ما يؤشر بشكل جلي إلى نهاية مرحلة "التمدد" بالنسبة للتنظيم، ودخول مرحلة الصراع من أجل البقاء.

والعامل الآخر المهم أن تنظيم الدولة فقد السيطرة على الموارد المالية، كالنفط ومنتجات الأراضي الزراعية والآثار عبر خسارة منابعها أو طرق تهريبها والاستفادة منها، ولا شك في أن التنظيم كان يعتمد على هذه الأموال الآيلة إلى النضوب في كسب الولاءات ودفع الرواتب وإغراء أنصاره أو حتى السكان المحليين.

ومنذ سنة 2014 خسر تنظيم الدولة عددا من أبرز قيادييه، وبعضهم كان مساعدا لزعيمه أبو بكر البغدادي، بينهم أبو محمد الجولاني وعمر الشيشاني وأبو مسلم التركمانستاني وأبو علي الأنباري وغيرهم، كما أن دوائر المخابرات قد أفادت بحركة انشقاقات واسعة وتمردات بصفوف التنظيم وخروج الكثيرين من ميادين "الجهاد".

وهذه الخسارات الميدانية المتتالية على المستويين البشري والعسكري وتراجع الموارد المالية وانكشاف تنظيم الدولة أمنيا أفقدته معظم إمكانياته العسكرية وأدواته الإدارية واللوجستية لمواصلة سياسة "التمدد"، وهي التي كانت أحد عوامل الجذب بالنسبة لمريديه حول العالم.

كما أن اللعب على وتر الطائفية -رغم بقاء أسبابها خاصة في العراق- لم يعد عنصرا مؤثرا ضمن أساليب "التمدد" التي اعتمدها تنظيم الدولة، وإذا اعتبرنا أن له بيئة سنية حاضنة في العراق -وهو ما ينفيه كثير من المتابعين والمحللين- فإن هذه البيئة تفسخت بفعل التجربة المريرة التي عاشها السكان في المناطق التي سيطر عليها التنظيم الذي اعتمد على القسوة والبطش والتنكيل.

أبو بكر البغدادي فقد عددا كبيرا من مستشاريه وقيادات الصف الأول في تنظيم الدولة (رويترز)

ما بعد السقوط
والسؤال المطروح: هو كيف سيكون مصير تنظيم الدولة بعد فقدانه المنتظر للموصل والرقة؟ وهل يعني ذلك نهايته ككيان جغرافي حاول الحصول على أحد أركان الدولة بالقوة العسكرية والتمدد على الأرض؟ وهل يمكن للتنظيم أن يبقى قويا في سوريا والعراق أم هل سيختفي؟ وهل سيعود مرة أخرى؟

وفي هذا السياق، ترجح بعض مراكز الأبحاث أن يكون عام 2017 هو سنة نهاية مركز "دولة الخلافة" بمعناها الجغرافي والسياسي، وتحول تنظيم الدولة إلى مجرد تشكيل مسلح مشتت يمكن أن يسيطر على بعض المواقع الصغيرة في كل من سوريا والعراق مستغلا استمرار الفوضى الأمنية والسياسية -خاصة بسوريا- لكن دون عمق أو امتداد جغرافي أو تأثير.

ووفقا لمركز رصد النزاعات "آي أتش أس ماركيت"، فإن تنظيم الدولة سيبقى يناور ضمن المساحات الجغرافية والأمنية والزمنية المتاحة له في البلدين ويشن عمليات هنا وهناك، وهو ما حصل سابقا مع تنظيم القاعدة حين فقد عنصر الأرض والقيادات والتنظيم والربط والضبط في أفغانستان وتمت ملاحقته، وكذلك الأمر مع حركة طالبان.

وإذا حصل ذلك -وهو المرجح- يكون تنظيم الدولة قد انتكس بتراجعه من تأسيس خلافة إقليمية والدفاع عنها وتوسيعها -أي ما كان يميزه عن تنظيمات إسلامية أخرى- إلى أهداف أقل قيمة قد تكون إسقاط أنظمة أو مقاتلة تيارات أخرى وتنفيذ عمليات انتقامية، وبالتالي يصبح متماهيا مع تيارات وتنظيمات أخرى كثيرة.

ويرجح بعض المحللين إلى أن أحد السيناريوهات المطروحة لما بعد الموصل والرقة أن يتفكك تنظيم الدولة من الداخل وأن يعود معظم مقاتليه -خاصة العراقيين والسوريين- إلى مبايعة بعض التنظيمات الأخرى القريبة فكريا وحركيا منه والعمل معها، فيما سيعمد معظم الأجانب إلى إيجاد طريق لخروج آمن نحو بلدانهم أو ساحات أخرى، وهو ما يحصل حاليا وفق متابعين.

ويقارب البعض النموذج الليبي لتنظيم الدولة بما يمكن أن يحصل في العراق وسوريا، فالتنظيم الذي أعلن ثلاث ولايات في ليبيا -وهي طرابلس وبرقة وفزان- خسر مناطق نفوذه جميعا بعد أن سيطر في وقت ما على سرت ودرنة ولم يستطع أن يعيد بناءها أو تشكيلها، وأضحى مجرد مفارز لا مستقر لها، وتشتت بين قيادات وولاءات مختلفة تسعى لإيجاد موطئ قدم في الجنوب الليبي -وبما يتجاوزه إلى دول مجاورة- دون أن تفلح في ذلك إلى حد الآن.

وإذا سحبنا ذلك على "تنظيم الدولة الأم" في العراق وسوريا فيبدو أنه من الصعب أن يعيد تشكيل نفسه من جديد على قاعدة جيوسياسية قابلة للحياة -وفق معظم التقديرات- ولعل تعدد الأطراف التي تحاربه هناك -من روسيا والولايات المتحدة إلى النظام فالمعارضة والأكراد وتركيا والتحالف الدولي- يوحي بصعوبة القدرة على الانبعاث والتجدد.

عناصر من تنظيم الدولة يستعرضون قوتهم في مدينة الرقة شمال سوريا (أسوشيتد برس)

صراع البقاء
لكن تنظيم الدولة قد يستغل ظرفيا الأهداف والأجندات المختلفة لهذه الأطراف -في سوريا خاصة- لكسب مزيد من الوقت، ربما عبر إطالة أمد الحرب في الرقة والانتقال بعدها إلى "عاصمة جديدة" في دير الزور، حيث المعركة المؤجلة مرحليا، لكن ذلك لن يكون متاحا في النهاية إلا بما تسمح به الأطراف الأخرى وعوامل الصراع على الأرض من قبل هؤلاء اللاعبين.

كما أن انتقال تنظيم الدولة "بمركزه" إلى مواقع في دول أخرى مثل سيناء أو ليبيا أو نيجيريا أو ربما أفغانستان والتي أنشا فيها جميعا ما يسميها ولايات، أو في بلدان مجاورة لسوريا والعراق رهين بالمتغيرات الأمنية والسياسية في تلك المناطق، لكن شروط وجود مركزي فاعل فيها غير متوفرة حاليا، كما أن الوضع الدولي والاستنفار الكبير للحرب على "الإرهاب" لن يسمحا بذلك.

وفي مطلق الحالات فإنه لن تتوفر لتنظيم الدولة بيئة أفضل وظروف ملائمة أكثر و"دولة مركز" أهم مما كان بالعراق وسوريا اللذين تفجر فيهما واحد من أعقد الصراعات على الصعيد الدولي معبأ بالمصالح المتضاربة إقليميا ودوليا والنزاعات المتشابكة عسكريا وسياسيا واجتماعيا والتي وجد فيها التنظيم مجالا واسعا للعمل والمناورة والتوسع.

ومهما كانت سيناريوهات مستقبل تنظيم الدولة فإنه لن ينتهي وجوديا في سوريا والعراق -بالمعنى الحرفي للكلمة- إلا بانتهاء الظروف الموضوعية التي أوجدته والبيئة الجاذبة التي كان أساسها الفوضى الأمنية والعسكرية والغبن الاقتصادي والاجتماعي لمعظم السكان، والاستبداد بمختلف أشكاله، والاحتراب الداخلي والتوظيفات الطائفية والتهافت الإقليمي والدولي في المنطقة.

المصدر : الجزيرة