رئاسيات إيران.. روحاني في معترك البقاء

روحاني فاز في انتخابات 2013 بعد حصوله على أكثر من 50% في الجولة الأولى (الجزيرة)
روحاني فاز في انتخابات 2013 بعد حصوله على أكثر من 50% في الجولة الأولى (الجزيرة)

زهير حمداني

حسم التيار المحافظ في إيران أمره بوضع رجل الدين إبراهيم رئيسي (57 عاما) والمقرب من المرشد الأعلى للدولة علي خامنئي بوصفه قطبا رئيسيا في مواجهة مرشح التيار المعتدل والإصلاحي الرئيس حسن روحاني (68 عاما) الذي سيخوض بذلك صراعا ساخنا للبقاء لدورة ثانية، وفق ما ترجحه التقديرات.

وتأتي الانتخابات الرئاسية في إيران بعد نحو عام من الانتخابات البرلمانية (مجلس الشورى الإسلامي)، التي فقد المحافظون فيها الأغلبية في البرلمان، بعد فوز لائحة الأمل، المحسوبة على تحالف تياري الإصلاح والاعتدال، بأغلبية 120 مقعدا بالبرلمان، مقابل 83 مقعدا للتيار المحافظ (من أصل 290 مقعدا).

وفي المقابل، أبقى المحافظون المتشددون سيطرتهم على مجلس خبراء القيادة، رغم حصول ائتلاف المعتدلين والإصلاحيين على أغلبية مقاعده بالعاصمة طهران، وبذلك تكمل الانتخابات الرئاسية ثلاثية الاشتباك الانتخابي بين المعسكرين الكبيرين في المشهد السياسي الإيراني. 

وبدأ التسجيل للترشح في 11 أبريل/نيسان الجاري، ليستمر خمسة أيام، ثم تأتي مرحلة تأكيد أهلية المرشحين من قبل مجلس صيانة الدستور، لتعلَن القائمة الرسمية للمتنافسين على منصب الرئيس في 27 أبريل/نيسان الجاري، وتبدأ بعدها الحملة الانتخابية، وصولا إلى الاقتراع في 19 مايو/أيار المقبل.

وتتزامن هذه الانتخابات مع ظرف إقليمي ودولي متوتر، لا سيما بعد صعود ترمب للرئاسة بالولايات المتحدة، وانتهاجه سياسة متشددة تجاه طهران، والانخراط الإيراني في أزمات المنطقة من اليمن إلى العراق وسوريا ولبنان، بما يشكله ذلك من ضغوط سياسية واقتصادية على البلد.

إبراهيم رئيسي يعرف بأنه مقرب من المرشد الأعلى للدولة علي خامنئي (رويترز)

حسم المحافظين
وفي ما يتعلق بالتيار الأصولي، أصدرت "الجبهة الشعبية لقوى الثورة الإسلامية" -وفق وكالة الأنباء الإيرانية- بيانا أعلنت فيها أسماء مرشحيها للرئاسة، وهم إبراهيم رئيسي وعلي رضا زاكاني، ومهرداد بذرباش ومحمد باقر قاليباف وحميد رضا بابائي.

وتشير التقارير الواردة من طهران إلى أن أربعة من المرشحين الخمسة للجبهة سينسحبون لفائدة أكثرهم شعبية، وفق ما تحدده الاستطلاعات، ومن المرجح أن يكون إبراهيم رئيسي المرشح النهائي للجبهة وللتيار المحافظ.

ووفق الإعلام الإيراني، فإن رئيسي يحسب على الدائرة المقرّبة من المرشد الأعلى للدولة علي خامنئي ومن الحرس الثوري أيضا، وسبق أن عينه خامنئي أوائل عام 2016 مشرفا على مرقد الإمام علي بن موسى الرضا (الإمام الثامن عند الشيعة) في مشهد، وهو مرقد ببنية مؤسساتية تعد من أغنى المؤسسات الخيرية في إيران.

ورغم انتقادات توجه إلى رئيسي بأنه يفتقر إلى الخبرة اللازمة، ولم يتول وظائف تنفيذية مهمة في الحكومة، واكتفى بشغل منصب النائب العام للبلاد، والنائب الأول لرئيس السلطة القضائية، إلا أن قربه من المرشد قد يعزز فرصه في المرور إلى منافسة الرئيس حسن روحاني على منصب الرئاسة.

وتؤكد النائبة الإصلاحية السابقة جميلة كاديفار لرويترز أن "رئيسي موجود في دائرة ثقة خامنئي، وكان أحد طلاب خامنئي وأفكاره قريبة للغاية من أفكار الزعيم الأعلى"، كما أن رئيسي كان من المرشحين لخلافة المرشد الأعلى نفسه.

ونشرت وسائل إعلام إيرانية صورا لرئيسي إلى جانب قادة في الحرس الثوري الإيراني، مثل قاسم سليماني ومحمد علي جعفري، بما يؤكد الحرص على تأصيل وجوده في مفاصل المشهد السياسي، بما في ذلك المؤسسة العسكرية الأكثر فعالية في البلاد داخليا وخارجيا، والتي تحظى بدعم قوي من المرشد ومعسكر المتشددين.

ويقول حسين رسام، وهو مستشار لوزارة الخارجية البريطانية، لرويترز إن ترشيح رئيسي "يأتي بمثابة المفاجأة ويشكل تهديدا، وتهديدا كبيرا لروحاني، والفرص باتت أكبر الآن لأن نشهد انتخابات من جولتين في إيران، على أن تكون الجولة الثانية شديدة الاستقطاب".

 تحالف المعتدلين والإصلاحيين حاز الأغلبية بالبرلمان الإيراني بانتخابات 2016 (أسوشيتد برس)

انتقادات واسعة
وفي المقابل، لا يبدو أن لدى المعتدلين أو أنصارهم
الإصلاحيين مرشحا بديلا عن الرئيس الحالي حسن روحاني، رغم الانتقادات الكثيرة الموجهة إليه من التيار المحافظ، والتي وصلت إلى حد التهديد بسحب الثقة عنه في مجلس صيانة الدستور، مثلما نشرت صحف إيرانية.

ولم يعد روحاني يتمتع بالقوة نفسها التي كان عليها عام 2013، حين حسم الرئاسة من الجولة الأولى بأكثر من 50%، لكنه يبقى محل إجماع التحالف بين تيار الاعتدال الذي يقوده والإصلاحيين الذين لا يرون في المرحلة الراهنة -وفق محللين- سبيلا للبقاء في دائرة القرار سوى الاستمرار في دعم روحاني، خاصة بعد وفاة الرئيس الأسبق هاشمي رفسنجاني. 

ولدى الإصلاحيين أنفسهم، وأنصار "الحركة الخضراء"، الكثير من العتب على روحاني، ويرونه أخلف وعوده في مسألة الحريات وإطلاق سراح المرشحين السابقين لانتخابات الرئاسة عام 2009 مهدي كروبي ومير حسين موسوي اللذين يقبعان تحت الإقامة الجبرية؛ إثر احتجاجات على التزوير أعقبت انتخابات 2009، كما أنه لم يمنحهم الحصص المناسبة في الوزارات والمناصب الحكومية.

وانتقادات الإصلاحيين تأتي في خضم انتقادات أشد من جانب التيار المحافظ، حيث يرى أتباعه أن روحاني فشل في الملفات الكبرى على الصعيد الداخلي، ولم يحقق التطور الاقتصادي الموعود، كما لم يعالج الملف النووي بالشكل الكافي، ولم يؤد الاتفاق حوله إلى رفع العقوبات بشكل كامل.

ويبدو أن سياسة ترمب حول الملف النووي الإيراني وتجميد الاتفاق من جانب واشنطن وفرض مزيد من العقوبات أثرت على رصيد روحاني داخليا، وهو الذي انتشى مع وزير خارجيته العتيد جواد ظريف بتوقيع الاتفاق مع الغرب.

ورغم أن الاتفاق -بما رافقه من انتقادات- لم يكن ليحصل لولا موافقة المرشد الأعلى للدولة علي خامنئي والهياكل الأخرى للدولة صاحبة القول الفصل في الملفات الداخلية والخارجية ضمن تركيبة النظام السياسي المعقد، فإن الانتقادات تتركز على روحاني في سعيه إلى ولاية ثانية لأربع سنوات.

ويركز خصوم الرئيس روحاني إلى تحويل "انتصاره النووي" إلى علامة فشل، على الرغم من أن شرائح ترى أن الاتفاق فك العزلة الدولية عن إيران بعد تقاطر العشرات من المسؤولين الأوروبيين على طهران، كما أعاد النفط الإيراني إلى الأسواق العالمية وزادت معدلات تصديره.

وتتسارع وتيرة الحملة على روحاني بعد الكشف عن قائمة مرتبات كبار الموظفين في قطاع المصارف والتأمينات الإيراني، المتضخمة بشكل كبير مقارنة بمتوسط الأجور، كما تبرز في وسائل إعلام المعارضة اتهامات حول مصدر تمويل الرئيس لحملته الانتخابية عام 2013، وأخرى عن قضايا فساد  تتعلق بأخيه حسين فريدون.

 
انتخابات الرئاسة الإيرانية ستجرى في 19 مايو/أيار المقبل في جولتها الأولى (الأوروبية)

معركة انتخابية
وتصب هذه الانتقادات التي تطول روحاني في مصلحة المرشح رئيسي، خاصة تلك المتعلقة "برهانه على التقارب مع الأعداء"، وأكد رئيسي -في رد على توجهات روحاني الخارجية- بأن "مشكلاتنا لن يحلها الأميركيون والغربيون، فهم لم يحلوا مشكلة واحدة لأي بلد، ولم يجلبوا شيئا سوى الشقاء للدول الأخرى"، وهو الخطاب الذي يدغدغ مشاعر أنصار التيار المتشدد، ويزيد كتلة المريدين حوله.

وفي ظل حرص معسكر المحافظين على كسب معركة الرئاسة، وترشيح  إبراهيم رئيسي، الذي "يعرف طريقه في الممرات المظلمة للسياسة الإيرانية على نحو جيد للغاية"، كما يقول المستشار السابق لبريطانيا بشأن إيران حسين رسام؛ يرجح المراقبون أن طريق روحاني إلى فترة رئاسية ثانية على منوال سابقيه: هاشمي رفسنجاني (1989-1997) ومحمد خاتمي (1997-2005) وأحمدي نجاد
(2005-2013)، لم تعد سالكة بالقدر الكافي.
 

وفي تقرير بصحيفة الإندبندنت البريطانية (9 أبريل/نيسان) يقول الكاتب بيفاند خورساندي إن المعركة الانتخابية القادمة ستنحصر بين روحاني ورئيسي، مشيرا إلى أن المرشحين لا يختلفان، كما لا يوجد تباين بين الإصلاحيين والمحافظين، بوصفهم جميعا يدورون في فلك المرشد الأعلى للدولة، ومبادئ آية الله الخميني، وفق تقديره.

ويشير الكاتب إلى أنه إن نجح رئيسي -وهو ينطلق بالحظوظ نفسها مع روحاني على حد تقديره- فإنه سيكون بذلك أول رئيس بدرجة "قاتل"، بوصفه أشرف عام 1988 على ما يسميها "لجنة الموت"، التي أصدرت أحكاما بالإعدام على آلاف المعارضين السياسيين.

ويشير هذا التعليق بوضوح إلى وجهة النظر الغربية، التي لا ترى فرقا بين المرشحين وتصنفهم في خانة الأصولية، سواء في الملفات الداخلية أو الخارجية، لكن الانتخابات المقبلة يراها الإيرانيون مهمة، خاصة في ما يتعلق بتداعيات الاتفاق النووي، ومسألة تواصل الانفتاح على الغرب، والاقتصاد والمسائل الإقليمية المختلفة التي تجد إيران نفسها طرفا فيها.
المصدر : الجزيرة