محمد العبيد.. رحلة لجوء بطعم العلقم إلى لبنان

أحد المباني التي يقطنها لاجئون سوريون بلبنان (الجزيرة)
أحد المباني التي يقطنها لاجئون سوريون بلبنان (الجزيرة)
ليس من السهولة العثور على عنوان سكن محمد العبيد، وهو لاجئ سوري، بين عشرات المنازل والأبنية العشوائية بأحد مداخل ضاحية بيروت الجنوبية.

المسكن هو عبارة عن غرفة ضيقة تغزو جدرانها الرطوبة والعفن والتشققات، وتتسرب المياه من سطحها كلما هطل المطر، ويقطن فيها العبيد وعائلته.

كان محمد (34 عاما) يعمل في مهنة التنجيد والأقمشة لدى أحد التجار في منطقة عدرا الصناعية في سوريا.

يتحدث محمد بتفاصيل كثيرة عن رحلة المعاناة منذ خروجه من منزله في عدرا تحت ضغط الاشتباكات وما واجهه من عذاب حتى تمكن من الانتقال إلى منطقة أكثر أمنا.

"كانت أوضاعنا جيدة مثل سائر الناس -يقول محمد للجزيرة نت- نقطن في منطقة عدرا العمالية، واضطررنا للنزوح إلى الشام تحت وطأة القتال، وأقمنا أياما لدى أهلي وأحيانا عند أهل زوجتي".

ويضيف أن منزل ذويه "لم يكن آمنا أيضا، ولجأ إليه بعض أشقائي الذين نزحوا من مناطق أخرى"، وأمام ضيق الحال قرر محمد الانتقال إلى لبنان بناء على نصيحة من صديقه الذي استقبله في منزله شهورا.

حياة صعبة
وأضاف محدّثنا "حاولت خلال هذه المدة البحث عن سكن وعمل، إلى أن بدأت العمل في شركة لبيع المياه بمبلغ زهيد جدا بالكاد يكفي نفقات الطعام، خاصة بعد أن تبعتني زوجتي وأطفالي الثلاثة"، لكنه ما لبث أن توقف عن العمل بعد الاستغناء عن خدماته بسبب عدم تمكن الشركة من دفع الرواتب.

جانب من الغرفة التي يقطنها محمد وعائلته (الجزيرة)

ويقول محمد إنه بعد أشهر من الانتظار وجد عملا في مؤسسة صغيرة لتجارة الألومنيوم "رغم أنه لا خبرة لي في هذه المهنة"، مضيفا "ما زلت أعمل في الشركة براتب أقل من الحد الأدنى المعمول به في لبنان، وفي ظل ظروف صعبة جدا، مثل امتناع مالك المؤسسة عن إعطائي أي إجازة حتى في حالات المرض إلا نادرا، إضافة إلى العمل أحيانا حتى ساعة متأخرة من الليل".

وحول كيفية دخوله الأراضي اللبنانية في ظل قرار السلطات التوقف عن استقبال اللاجئين، يؤكد محمد أن دخوله كان بطريقة غير شرعية، كما أنه استقدم لاحقا زوجته وأطفاله الثلاثة بالطريقة نفسها، مشيرا إلى أن إقامتهم جميعا هي بشكل غير قانوني، ولذلك يتحاشون التنقل بعيدا أو المرور على نقاط أمنية.

ويؤكد محمد أنه يسعى مع عائلته للجوء إلى بلد أوروبي، وعمد إلى تسجيل طلب لدى مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في بيروت، غير أن المسؤولين أبلغوه أن البت بشأن طلبهم سيتأخر سنوات بسبب كثرة طالبي اللجوء.

ويعوّل محمد وزوجته على تدخل مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في حال ألقت السلطات اللبنانية القبض عليهما وحاولت ترحيلهما.

يعيش محمد مع عائلته في غرفة ضيقة، فيها بعض الأثاث المنزلي. فحسب رأيه هذه الغرفة ليست مسكنا، بل هي أشبه بالسجن نظرا لصغر حجمها وافتقادها للكثير من الضروريات، فضلا عن الاهتراء الذي يصيب البناء ككل من الخارج، ونقص المياه الدائم بسبب اضطرارهم إلى مشاركة خزان المياه الصغير المخصص للاستخدام المنزلي مع عدد من الغرف التي يقطنها لاجئون سوريون أيضا.

خيبات بالجملة
وردا على سؤال بشأن الخيبات التي واجهته منذ قدومه إلى لبنان، لا يخفي محمد أمله في أن يجد ظروفا أفضل، سواء في العمل أو السكن أو تأمين المستلزمات الضرورية للعيش من غذاء وتعليم وعلاج وفرص عمل وغيرها.

ظروف قاسية يعيشها اللاجئون في المخيمات (رويترز)

ويقول إنه تفاجأ بما وجده من أحوال مزرية يرزح تحتها اللاجئون، لكنه يؤكد أن الخيارات أمامه شبه معدومة للعودة إلى بلاده، وربما أكثر ما يطمح إليه -كما يقول- هو الحصول على عمل أفضل والانتقال مع زوجته وأطفاله إلى مسكن لائق.

وعن تمكنه من تأمين المستلزمات الضرورية لعائلته رغم الراتب الزهيد، يوضح محمد أنه بين تسديد نفقات إيجار الغرفة التي يعيشون فيها وتكاليف المياه والكهرباء يبقى القليل من الراتب للطعام، حتى أنه يضطر أحيانا مع زوجته للبقاء دون طعام من أجل توفيره لأطفالهما.

وتابع أنهم يعتمدون على مساعدات بعض الجيران وفاعلي الخير في بعض الأحيان الذين عمدوا إلى مساعدتهم ببعض الفرشات والأغطية والأواني والمستلزمات الضرورية.

وعن مدفأة قديمة العهد تعمل على المازوت وجدناها في غرفته، يقول محمد إنها أشبه بتحفة لأن استخدامها متعذر بسبب عدم توفر المال لشراء المحروقات.

وفي هذا السياق، ينتقد محمد الجمعيات الإغاثية بسبب تجاهلها احتياجات عائلته رغم المراجعات المتكررة.

التمييز والعنصرية
يتحدث محمد عن معاناة أسرته نتيجة الإجراءات الأمنية التي تقوم بها عناصر محلية في المنطقة التي يقطنون فيها.

وتعمد تلك العناصر إلى قرع الأبواب في أي وقت حتى بعد منتصف الليل، ويقومون بتفتيش الغرف التي يقطنها سوريون، ويبحثون في هواتفهم الخاصة، إضافة إلى استجوابهم حول علاقتهم بالمعارضة السورية المسلحة.

لاجئون سوريون في طابور لتلقي المساعدات في مخيم بوادي البقاع اللبناني (رويترز)

ولا يتمنى محمد سوى توقف الحرب والعودة إلى منزله وبلده. فبالنسبة له، مهما كانت أوضاع اللاجئين مقبولة فالراحة النفسية مفقودة.

وتعلق عُلا زوجة محمد لتقول إن أكثر ما يقلقها هو طريقة التعامل والتمييز والعنصرية التي يعانون منها كونهم سوريين، وتطلب من اللبنانيين معاملتهم كما استقبلهم الشعب السوري سابقا عندما اضطروا لترك بلدهم.

لكنها تستطرد بالقول إن هذا ليس تعميما على كل اللبنانيين، حيث هناك الكثير من الناس الطيبين المتعاطفين مع اللاجئين السوريين في معاناتهم، ويقومون بتقديم التسهيلات لهم ومساعدتهم.

وقالت المتحدثة إن نسبة كبيرة من المؤسسات التجارية في لبنان يملكها أو يديرها سوريون، وهم يسهمون في نهضة لبنان، مشددة على مبدأ الأخوة بين اللبنانيين والسوريين، ومتوجهة إلى الشعب اللبناني بنداء لعدم التفريط في هذه العلاقات الاجتماعية والروابط القديمة بين الشعبين العربيين.

المصدر : الجزيرة