اللاجئون العراقيون بألمانيا.. اندماج ما بعد الصدمة

اللاجئون العراقيون بألمانيا.. اندماج ما بعد الصدمة

أكثر من 97 ألف طالب لجوء عراقي وصلوا ألمانيا عامي 2015 و2016 (الجزيرة)
أكثر من 97 ألف طالب لجوء عراقي وصلوا ألمانيا عامي 2015 و2016 (الجزيرة)

خالد شمت-برلين

قطع (خالد.ع) عام 2014 رحلة طويلة وشاقة من تركيا إلى إيطاليا، ومر عبرها بأراضي مقدونيا وصربيا وسلوفينيا والنمسا، وفوجئ بعد وصوله ألمانيا بواقع صدمه وجعله يتساءل إن كان ما وجده يستحق بيعه لممتلكاته في العراق وفراقه لأهله وأحبته.

ومثلما كان حاسما بقراره ركوب البحر والسير على قدميه برا للجوء لألمانيا، قرر العراقي الأربعيني -وفق ما ذكره للجزيرة نت- استدعاء ما تعلمه بجيش صدام حسين من موازنة سريعة بين المتاح والمأمول، وقرر عدم التراجع والمضي بما خططه لنفسه سلفا، والعمل بجد لتجاوز كل عقبة يمكن أن تقف أمام اندماجه بحياته الجديدة ببلاد الألمان.

واختلف خالد بهذا القرار عن آلاف من مواطنيه طالبي اللجوء الذين عادوا العام الماضي طواعية لوطنهم، بعد صدمتهم بألمانيا بواقع مغاير لما تخيلوه قبل حضورهم من راحة ورخاء واستقرار.

أعداد متزايدة
وكشفت إحصائية رسمية ألمانية أن نحو خمسة آلاف طالب لجوء عراقي عادوا العام الماضي إلى بلدهم رغم سهولة حصولهم على اعتراف بهم لاجئين، بسبب ضجرهم من طول إجراءات هذا الاعتراف، وصعوبة حصولهم على عمل أو التحاق أبنائهم بالمدارس بدونه.

وأظهرت بيانات الجهاز المركزي الألماني للهجرة واللجوء أن من بين 97162 عراقيا تقدموا للجوء في البلاد عامي 2015 و2016، حصل 70.2% منهم على حق اللجوء عام 2015، و88.6% العام الماضي الذي شهد أيضا الاعتراف بـ 29 ألف إيزيدي عراقي كلاجئين، والسماح لنحو ثلاثين ألف لاجئ عراقي آخرين باستقدام أسرهم ضمن إجراءات لم شمل طالبي اللجوء الذين يتم الاعتراف بهم.

واقتصر وجود العراقيين بألمانيا حتى منتصف سبعينيات القرن الماضي على الطلاب الدارسين بألمانيا الغربية أو جارتها الشرقية.

مهاجرون عراقيون في محطة القطار بمطار كولونيا (دويتشه)

وموازاة مع صعود الرئيس الراحل صدام حسين لسدة الحكم عام 1979 وحرب الخليج الثانية أوائل التسعينيات، بدأ توافد العراقيين لألمانيا كلاجئين، وتزايدت أعدادهم ووصلت إلى 95 ألف شخص مع الغزو الأميركي للعراق عام 2003.

وواجه اللاجئون العراقيون تشديدا من السلطات الألمانية لقوانين وإجراءات التعامل معهم، ومطالبتها لهم بالعودة لبلدهم، لكن هذه الأوضاع ما لبثت أن تغيرت إلى اليسر بالتزامن مع تفاقم تردي الأوضاع الأمنية في العراق وظهور تنظيم الدولة الإسلامية هناك وتدفق موجة اللجوء الكبيرة لأوروبا العامين الماضيين.

ويمثّل العراقيون واحدة من أكبر مجموعات اللاجئين بألمانيا في السنوات الأخيرة، ويتركز وجودهم بولايات بافاريا وبادن فورتمبيرغ وشمال الراين وسكسونيا السفلى وبرلين.

وشهدت بداية عام 2017 تطورين لافتين يتعلقان باللاجئين العراقيين، حيث سمحت ولاية برلين للعراقيين المعترف بهم لاجئين باستقدام أسرهم أو ذويهم من الدرجة الأولى، وتسببت ظاهرة عودة أعداد كبيرة من طالبي اللجوء العراقيين إلى بلدهم بتأسيس الحكومة الألمانية مشروعا مشتركا مع منظمة الهجرة الدولية للدعم المالي لأي لاجئ يرغب بالعودة الطوعية لبلده.

سناء الحمداني: أكثرية طالبي اللجوء العراقيين ليسوا سعداء بوضعهم في ألمانيا (الجزيرة)

قبول بالواقع
وأرجعت سناء الحمداني، الصحفية العراقية المتخصصة باللجوء والهجرة بقناة "أس دبليو أر" الألمانية، عودة أعداد لافتة من مواطنيها إلى بلدهم عام 2016 إلى تفاجؤ هذه الفئة بصورة للحياة بمجتمعهم الجديد مغايرة لما رسموه قبل حضورهم، وعدم حصولهم بسرعة على عمل أو سكن مناسبين، وافتقاد أكثرهم للخصوصية بالسكن مع آخرين في أماكن ضيقة خلال إجراءات اللجوء، واختلاف العادات والتقاليد بين ألمانيا والعراق.

وقالت الحمداني للجزيرة نت إنها لمست من خلال أنشطتها التطوعية بمساعدة اللاجئين أن أكثرية طالبي اللجوء العراقيين القادمين مع موجة اللجوء الأخيرة لم يكونوا سعداء بواقعهم الجديد بألمانيا، وأوضحت أن فقد أفراد هذه الفئة لممتلكاتهم وعملهم بالعراق دفعهم للقبول بالمتاح أملا باندماجهم بالمجتمع الألماني وحصولهم فيه على فرصة أفضل.

وأشارت الصحفية العراقية إلى أن إغلاق طريق غربي البلقان بوجه اللاجئين وتشديد السلطات الألمانية لإجراءات وقوانين اللجوء، وانتشار الصور الإعلامية المعبرة عن المشقة التي يتعرض لها طالبو اللجوء، مثلت عوامل أسهمت بتقليل أعداد العراقيين القادمين إلى ألمانيا للجوء في الشهور الأخيرة لحد كبير.

وحثت مواطنيها اللاجئين الذين قرروا البقاء بألمانيا على التمسك بالأمل، والسعي لتطوير أنفسهم والحصول على مكان لائق بمجتمعهم الجديد من خلال تعلم لغته بإتقان والاندماج الإيجابي فيه. 

المصدر : الجزيرة