"مساكن عثمان".. وطن عابر للسودانيين بمصر

أحد المارة بمنطقة مساكن عثمان (الجزيرة)
أحد المارة بمنطقة مساكن عثمان (الجزيرة)

عبد الله حامد-القاهرة

كان خالد يعبر التلة الرملية الموحشة الفاصلة بين ضفتي الطريق المعتم، متجها لأولاده الستة وزوجته بمساكن عثمان، التي تقطنها أغلبية من بني وطنه السودانيين، في مدينة 6 أكتوبر بالجيزة غرب القاهرة، حينما استوقفه لصوص وقتلوه بدم بارد للاستيلاء على هاتفه المحمول.

حادث عابر في منطقة اشتهرت بالجريمة وأعمال "البلطجة"، حيث اختارتها الحكومة قبل سنوات لإسكان المتضررين من هدم مبانيهم في القاهرة، وتضم شققا مساحة الواحدة منها 42 مترا، تملّكوها ثم أجروها لاحقا للاجئين.

واسم عثمان من أشهر الأسماء التي يتسمى بها سودانيون، لكن ذلك لا علاقة له باختيارهم للمنطقة المذكورة، التي تسمت باسم الشركة التي شيدتها "عثمان أحمد عثمان"، واختيرت وطنا عابرا للسودانيين.

عرس بأحد شوارع منطقة مساكن عثمان (الجزيرة)

بعض هؤلاء تحدث للجزيرة نت مفسرين اللجوء إلى تلك المنازل بأنها "أرخص منطقة للسكن وجدناها" حسب أحمد السيد آدم، مضيفا "ندفع 500 جنيه إيجارا شهريا للشقة (نحو ثلاثين دولارا)، وهي بالكاد تكفي لأسرة صغيرة، تداعى السودانيون لهذه المنطقة نزوحا من مناطق أخرى بالقاهرة".

توجس وريبة
ولا يتهدد السودانيين فقط كونهم غرباء في بلد ينادونه بـ"شقيق النيل"، بل "يخشون بني وطنهم أيضا القادمين الجدد للمنطقة من سودانيي الشمال"، كما يروي زكريا، حيث "معظم اللاجئين القاطنين ههنا من أهالي دارفور الناجين بأنفسهم والمعتقدين بأن النظام السوداني يرسل وراءهم جواسيس".

يعمل زكريا بمقهى صغير يرتاده السودانيون، لذلك فهو "يستطيع تمييز الوجوه الجديدة السودانية، الذين تفضحهم عيونهم الملاحظة وأسئلتهم الغريبة".

وتتنوع أنشطة المنطقة ما بين صالونات الحلاقة والمحلات التجارية وحتى أماكن اللهو، التي تكون عبارة عن مناضد للعب "البلياردو" أو "البينغ بونغ".

ولا يخلو الأمر على قسوته والتشكك في القادمين الجدد من "مظاهر إنسانية تكشفها أشكال التضامن الاجتماعي لمن يأتي غريبا وجديدا على المنطقة بلا مال ولا أهل"، كما يقول نور محمد الذي يعمل على "التكتك" (دراجة أجرة نارية) منذ خمس سنوات، حيث "لم يكن في المنطقة إلا بضع مئات من الأسر السودانية، فظروف المعيشة صعبة هنا ولا تتوافر أدنى الخدمات".  

"التكتك" وسيلة نقل السودانيين إلى حيث يعملون ويدرسون (الجزيرة)

المثير هو وجود لافتة مكتب للسفريات رفض صاحبها السوداني التحدث للجزيرة نت، غير أن سودانيا رفض ذكر اسمه تطوع بالقول إن "المكتب يخدم الراغبين في الهجرة لأوروبا أو ليبيا، أو يساعد العائلات على استقدام ذويهم من السودان وإثيوبيا".

عزلة ويأس
الجهة الوحيدة التي اهتمت بدراسة المنطقة بشكل واف ودقيق كانت مؤسسة "مبادرة تضامن"، التي تقول في تقريرها إن الغرض الأصلي لبرنامج إسكان "الأولى بالرعاية" في مدينة 6 أكتوبر ، أو "مساكن عثمان" كما يعرفها سكانها، "هو حل مشكلة النقص الحاد في المساكن، ولاحقا (توفير) مأوى بديل لسكان المناطق العشوائية، ولكن أصبحت المنطقة، التي يسكنها وفق آخر تعداد نحو 14 ألف نسمة معظمهم لاجئون، مليئة بالمشاكل".

ويضيف تقرير المبادرة "تشعر بانعزال المكان اجتماعيا واقتصاديا رغم أنه قريب من المجمعات السكنية الميسورة ويقع بجوار المدافن".

ووفق التقرير "تبدو مشاعر العزلة واليأس التي تولدت جزئيا من البيئة المادية والظروف المعيشية في مساكن عثمان، ناتجة أيضا عن ضعف النسيج الاجتماعي، إذ جاء معظم السكان بمفردهم أو مع مجموعات صغيرة، ولأسباب شتى فضلوا البقاء بمفردهم أو الاختلاط اجتماعيا داخل مجموعة صغيرة".

ويتابع التقرير "يفضل السودانيون عزل أنفسهم أيضا عن طريق إرسال أطفالهم إلى مدارس سورية أو سودانية بسيطة قاموا بتأسيسها قرب المنطقة، حيث يرون أن هذه المدارس توفر بيئة مألوفة وآمنة وتقدم تعليما مقبولاً بالمقارنة بالمدارس الحكومية المصرية".

و"تحفظت الحكومة المصرية، عند توقيعها على اتفاقية 1951 الخاصة برعاية شؤون اللاجئين، على التصديق على المادة الخاصة بالوصول إلى سوق العمل، وهو ما يدفع البعض إلى سوق العمل غير الرسمي، ويكون اللاجئون وطالبو اللجوء هنا عرضة لسوء المعاملة والاستغلال"، وفق التقرير.

المصدر : الجزيرة