حزب الشعب وتوريث الأحزاب الديمقراطية بباكستان

بيلاول تسلم قيادة حزب الشعب الباكستاني من أبيه زرداري الذي اختير لقيادة الحزب بعد مقتل زوجته بينظير (الجزيرة)
بيلاول تسلم قيادة حزب الشعب الباكستاني من أبيه زرداري الذي اختير لقيادة الحزب بعد مقتل زوجته بينظير (الجزيرة)

براء هلال-إسلام أباد

بعد مرور خمسين عاما على انطلاقته يعود حزب الشعب مجددا إلى قيادة الناجي الوحيد من ذرية الأب المؤسس، إذ لم يتبق من نسل ذو الفقار علي بوتو أحد يرثه في قيادة حزب الشعب، ويرث إقطاعاته الممتدة على مدى مئات الكيلومترات في أرياف إقليم السند، سوى بيلاول ابن ابنته القتيلة بينظير بوتو

ففي احتفال شعبي ضخم في العاصمة الباكستانية إسلام أباد الأربعاء الماضي، سلم الرئيس الباكستاني السابق آصف علي زرداري قيادة حزب الشعب رسميا لابنه بيلاول بوتو زرداري، الذي نسب نفسه لبوتو - جده لأمه- الذي أعدم في عام 1979، وذلك بعد أن انقطع نسل بوتو باغتيال بينظير بوتو في مدينة راولبندي في 27 ديسمبر/كانون الأول 2007.

و كان أخوها الشقيق مرتضى بوتو قد تعرض للاغتيال في عام 1996، وقضى أخوه شاهنواز قبله في فرنسا بظروف غامضة عام 1985، وماتت تلك القضايا بموت أصحابها ولم يكشف عن مرتكبيها بعد.

فاضطر حزب الشعب عام 2008 لتعيين زرداري -والد بيلاول- وصيا على رئاسة الحزب كونه الوصي على ابنه وريث بوتو الوحيد الذي كان في 18 من عمره حينها، ريثما يصل إلى مرحلة النضوج السياسي لتسلم قيادة الحزب، وخاصة بعد أن اكتسح الحزب الانتخابات آنذاك نتيجة التعاطف الشعبي الكبير بعد اغتيال بينظير، وعين على إثر ذلك آصف علي زرداري رئيسا لجمهورية باكستان.

حفل تنصيب بيلاول بوتو الأربعاء الماضي حضره الآلاف (الجزيرة)

ولكن سنوات حكم زرداري الخمس كانت قد أدت في نهايتها إلى انحسار نفوذ حزب الشعب في انتخابات عام 2013 إلى معقله في ريف السند، ليتحول من حزب وطني يمتد على أقاليم باكستان الأربعة، إلى حزب إقليمي سِندي محلي رغم أنه لا يزال الحزب الثاني في البلاد.

يسار الوسط
يصنَّف حزب الشعب على أنه حزب اشتراكي من أحزاب يسار الوسط، رغم أنه ينحدر من خلفية برجوازية إقطاعية، فضلا عن كونه يؤكد أنه يسعى لترسيخ الديمقراطية في البلاد فإن ذلك لا يعتبر متعارضا في الثقافة المحلية مع توارث القيادة من الأب للابن، فذلك ديدن جل الأحزاب في باكستان بل وفي شبه القارة الهندية أيضا، كما يقول أستاذ علم السلوكيات السياسية سيد شمس العارفين.

وينتسب حزب الشعب لعائلة بوتو إحدى ثلاث عائلات حكمت باكستان على امتداد تاريخها، بدأت بعائلة جناح، مرورا بعائلة بوتو ثم عائلة شريف، ولم ينازع هذه العائلات في الحكم إلا العسكر، في مراحل مختلفة من تاريخ البلاد كالجنرال أيوب خان، ويحيى خان، وضياء الحق، وأخيرا برويز مشرف.

ويشير شمس العارفين إلى أن مشروع التوريث في حزب الشعب بدأ في السبعينيات حين شرع بوتو بإعداد ابنته بينظير لوراثته في القيادة، في مرحلة درجت فيها شبه القارة الهندية على عادة توريث البنات للقيادة السياسية، وتوريث الذكور إدارة أملاك الأسرة، بدءا بأنديرا غاندي في الهند مرورا بحسينة واجد وخالدة ضياء في بنغلاديش، وصولا إلى بينظير في باكستان، تماما كما يعد نواز شريف ابنته "مريم" لقيادة حزبه من بعده.

همدرد: المثقفون يعزفون عن السياسة لأنهم يرونها مجرد "ترهات" خاصة وأنها تعتمد على الولاء للقبيلة والأسرة (الجزيرة)

ولاءات
ويؤكد شمس العارفين أن كل حزب يعتمد أيضا على ولاءات أسر معينة مثل اعتماد حزب الشعب على عائلة جيلاني وزرداري وتالبور، مستدركا بأن هذا الأمر شائع حتى في بريطانيا والدول الأوربية، ولم يشذ عن تلك القاعدة في باكستان سوى بضع أحزاب قليلة كالجماعة الإسلامية وحزب الإنصاف، وإلا فإن الديمقراطية لا تنسحب على الممارسات والانتخابات الداخلية للحزب وحتى لو جرت فهي انتقائية على الطبقات الدنيا وليس على مستوى القيادة العليا التي يفوز فيها قادة الحزب بالتزكية دائما دون أن يجرؤ أحد على الترشح ضدهم. 

بل حتى الجماعات الإسلامية التي تتمسك بمفاهيم الشورى وقيم العدالة والمساواة لا تكاد تخرج عن القاعدة سواء من حيث السلطة السياسية أو الدينية، فلا تستغرب أن ترى مقعدين من مقاعد مجلس الشيوخ المئة يشغلهما أخوان عن جمعية علماء الإسلام وعن مدينة دير إسماعيل خان نفسها، وهما السناتور فضل الرحمن وأخوه عطاء الرحمن والأمثلة على ذلك كثيرة.

ويرد الباحث السياسي عبد الخالق همدرد هذا الأمر إلى عزوف المثقفين عما يعتبرونه "ترهات" السياسة وتراكم الموروث الثقافي الشرقي في المجتمع المحلي القائم على العصبية للقبيلة والأسرة، وخاصة أن الأغلبية الساحقة من بنك الأصوات لهذه الأحزاب هم من الفلاحين والبسطاء وغير المتعلمين والذين يتخذون من قائد الحزب رمزا يحددون بناء عليه توجهاتهم السياسية، ويدورون معه حيث دار، خاصة إذا كان القائد ولي نعمتهم، كما هو حال بوتو في صحراء تهاربركر ولاركانه ونوابشاه في ريف السند.

المصدر : الجزيرة