القدس بقلب الأردن.. مسيرات وتحركات رسمية غير مسبوقة

مسيرة المسجد الحسيني الحاشدة ضمت مختلف أطياف الشارع الأردني (الجزيرة)
مسيرة المسجد الحسيني الحاشدة ضمت مختلف أطياف الشارع الأردني (الجزيرة)

رائد عواد-الجزيرة نت

إنها المدينة الوحيدة التي التقت حولها جميع أطياف الشعب الأردني نظاماً وحكومة وأحزاباً وشارعاً يغلي، فالقدس واجهة الكرامة -كما يصفها المراقبون هنا- بالنسبة للأردنيين مهما اختلفت أصولهم ومنابتهم.

ولأجل ذلك احتشدت شوارع الأردن في جميع المدن والمحافظات في مسيرات جماهيرية حاشدة للتعبير عن غضبهم إزاء ما يخطط للمدينة المقدسة، وربما تحت نظر بعض الدول العربية.

في وسط العاصمة عمّان، احتشد الآلاف في أول مسيرة من نوعها منذ عقود، مثلت جميع ألوان الطيف السياسي المحلي: المسلم والمسيحي، اليمين واليسار، المحافظ والليبرالي، المؤيد للحكومة والمعارض لها، عبّروا بلسان واحد عن رفضهم إجراءات الإدارة الأميركية التي وصفوها بالباطلة وغير القانونية.

ويخطط بعض القانونيين في البلاد لرفع دعوى قضائية أمام المحافل الدولية ضد الرئيس دونالد ترمب لتدخله في شؤون المدينة المقدسة التي يشرف عليها الأردن تاريخياً وقانونياً وفقا لاتفاقية وادي عربة الموقعة مع إسرائيل عام 1995، التي أعطته وصاية قانونية على المقدسات الإسلامية والمسيحية في المدينة المقدسة.

وانتفض الأردن شمالا وجنوبا بجميع مدنه ومحافظاته والمخيمات الفلسطينية، وخرجت مسيرات حاشدة نددت مجتمعة بالتواطؤ العربي تجاه المدينة المقدسة، ونادوا جميعاً بقطع العلاقات مع إسرائيل وإلغاء اتفاقية وادي عربة وطرد السفير الإسرائيلي من البلاد.

كانت إحدى هذه المسيرات ولليوم الثالث على التوالي أمام السفارة الأميركية، التي باتت ثكنة عسكرية أمنية منعاً لاقتراب المتظاهرين من بواباتها الرئيسية.

الأردن يجد نفسه الآن -بحسب مراقبين- في موقف عصيب وهو يدافع عن شرعيته القانونية والتاريخية والدستورية عن المدينة التي طالما كانت وازدهرت تحت الحكم الأردني منذ عشرينيات القرن الماضي، في ظل إحجام دول عربية حليفة عن اتخاذ موقف قوي وواضح تجاه القرار الأميركي.

بل إن تسريبات حصلت عليها الجزيرة قالت إن الأردن بات يخشى الآن دخول عواصم عربية وإسرائيل والإدارة الأميركية في مفاوضات على المدينة المقدسة تحت مسمى "مفاوضات السلام" تكون بمجملها على حساب الأردن وهويته في المدينة المقدسية.

حشود بشرية تدفقت على شوارع الأردن نصرة للقدس (الجزيرة)

وكردة فعل طبيعية، يعمل ملك الأردن عبد الله الثاني على كسب أصدقاء وتحالفات جديدة بعدما شعر بأنه يقف وحيداً في معركة الدفاع عن القدس أمام الإدارة الأميركية الحالية، ليلتقي الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، وسط تخلي وضغوط حلفائه التاريخيين الذين طالب بعضهم من رعاياه المقيمين في الأردن ونصحهم بعدم الاقتراب من المسيرات المناصرة للقدس المحتلة حفاظا على سلامتهم.

ابتدأ الغضب الأردني بسلسلة من الجولات والاتصالات الهاتفية للملك مع ترمب نفسه، الذي حذره من تبعات القرار وانعكاساته على مدينة القدس ودور الأردن فيها، ثم ما لبث أن أعلن رفضه من خلال بيان رسمي من الديوان الملكي لأي إجراءات تقوم بها الإدارة الأميركية في القدس, ثم الدعوة بصفته رئيس الجامعة العربية لعقد قمة طارئة لم تلق تجاوبا من الحلفاء التاريخيين للقصر الملكي حتى الآن.

وفي مرحلة لاحقة، دفعت الدولة بجميع مفاصلها وأجهزتها الأمنية وحكومتها وبرلمانها للانخراط في مسيرات ووقفات غضب عمّت الجامعات والنقابات والأحزاب والشارع عموماً. مشهد كان عبر عنه وزير الخارجية الأردني الأسبق مروان المعشر بأن "الجيل السابق قد فشل في حل القضية الفلسطينية، ويتوجب الاعتراف بذلك بالرغم من الجهود المضنية"، داعياً الآن للوقوف حول جهود الجيل الجديد لرفع كلفة الاحتلال الإسرائيلي.

مما وصف المحلل السياسي عمر عياصرة مشهد الشارع الأردني في مجمله بأنه انسجام تكتيكي بين الرسمي والشعبي الأردني، ووصف تواصل القصر الملكي مع تركيا وقطر "بالخطوة الذكية" مقابل حلفائه التقليديين، منوهاً بأنه لا مانع من التفكير في إيران، وربما حركة المقاومة الإسلامية (حماس) كخطوة إضافية متقدمة، وعدم التردد في إقناع الرئيس الفلسطيني محمود عباس بدعم انتفاضة فلسطينية تنطلق من الضفة الغربية، لكونها مصلحة إستراتيجية وطنية أردنية ستكون الحال معها وبعدها أفضل في الإقليم وعلى الطاولة الفلسطينية.

المصدر : الجزيرة