نحالات غزة.. عندما تصبح الهواية مهنة

نحالات غزة يواجهن صعوبات في البحث عن مراعي النحل بعيدا عن العمران (الجزيرة نت)
نحالات غزة يواجهن صعوبات في البحث عن مراعي النحل بعيدا عن العمران (الجزيرة نت)

محمد عمران-غزة

يرتدين بزات بيضاء وأغطية للرأس وقفازات، لحماية أجسادهن من لسعات النحل بعدما اكتوت أرواحهن بلسعات الحياة، يزرعن الريحان والزعتر البري قرب خلايا النحل كمضادات دوائية للنحل حتى لا تتكرر مأساة فقدانهن القدرة على توفير دواء لفلذات أكبادهن.. يقطعن العسل مرتين سنويا، أملا بتوفير كسرة خبز لأفواه جوعى طوال العام.

إنهن مربيات النحل الغزيات اللائي برعن في تحويل هواياتهن إلى مشاريع إنتاجية، ليمخرن عباب الحياة القاسية باقتدار ونجاح، فينشئن مناحل خاصة بهن بعد مواجهتهن لقيود عائلية ومجتمعية حاولت تكبيلهن وهن يقتحمن مجالا ظل حكرا على الرجال.

الخمسينية فتحية أبو عمرة كانت أمام تحديين، نجحت بشق الأنفس في تجاوز أولهما المتعلق  بإقناع زوجها وعائلتها بوضع بذرة مشروعها لتربية النحل، أما تحدي إدارة حلمها باقتدار حتى يكبر بعد حصولها على منحة من مؤسسة أهلية، فله معها حكاية مكتظة بالصعاب والمعوقات.
فتحية أبو عمرة نجحت بشق الأنفس في إقناع زوجها وعائلتها بتربية النحل (الجزيرة)

فحلمها الذي بدأته بخمس خلايا نحل عام 2003 حتى وصلت لثمانين خلية، تعرض مرات عديدة للتدمير جراء اعتداءات الاحتلال وحروبه، لتعاود الكرة كل مرة من نقطة الصفر من دون أن يتسلل إليها الإحباط وهي ترى مشروعها يتحطم أمام ناظريها.

ولم تكتف فتحية -كما تحدثت للجزيرة نت- بما تعلمته من عائلتها التي امتهنت تربية النحل أو بحضورها لبعض الدورات المتخصصة محليا، لكنها نجحت مع بعض رفيقاتها بالمشاركة بدورة في إسبانيا أحدثت نقلة نوعية بخبرتها ومكنتها من الرعاية المتقنة لخلايا النحل التي تمتلكها.

ومثلما نجحت بمشروع تربية النحل من حيث الرعاية والإدارة والتسويق، سجلت فتحية نجاحا آخر مع عائلتها، فوفرت مصدر رزق لهم بعد تعطل زوجها عن العمل، وساهمت بتعليم أربعة من أبنائها بالجامعات، ولا تكل أو تمل من عملها أملا بتأمين حياة كريمة للبقية.

نجاحات
وإذا كانت حكايات مربيات النحل تختلف بالتفاصيل وتتشابه بالنهاية، فالمعاناة متعددة وكثيرة، أما النهاية "فنجاح يذيب برحيقه عذابات المكابدة" كما تقول نورة فياض، صاحبة منحلين أنقذاها من براثن العوز والفاقة.

نورة فياض وفرت بعض خلايا النحل بمساعدة جمعية زراعية (الجزيرة)

ورغم أن بدايات نورة مع النحل كانت أقرب للهواية، لكن شظف العيش دفعها لتنتقل من الهواية إلى التجارة، قبل أن تتعرض لضربة قاسمة بعد طلاقها من زوجها الذي أخذ معه كافة محتويات مشروعها وتركها مع أبنائها الأربعة من دون معيل.

لم تقف نورة مكتوفة الأيدي، إذ وفرت بعض خلايا النحل بمساعدة جمعية زراعية قبل أن يصبح لديها منحلان ساعداها في معيشتها، فزوجت ابنها الأكبر وتكفلت بمصروف عائلته في ظل تعطله عن العمل، بما يحمله ذلك من مشاق ومسؤولية إضافية على كاهلها.

بيد أن مشاق الحياة وهمومها المسيطرة على تفاصيل وجه هذه النحالة، تبدو صغيرة إذا ما قيست بإنجازها الأكبر من حيث إتقانها لمهنتها ورضا زبائنها ونظرات الإعجاب وكلمات الإطراء التي تسمعها ممن خبر قصتها وتصميمها على الانتقال من الاتكال إلى الإنتاج، وفق تعبيرها.

وفي مكان آخر، ترسم الستينية أم عماد لوحة نجاح لا تقل عن سابقتيها، فسكنها قرب الحدود مع الاحتلال تسبب لها بأضرار فادحة في خلايا النحل التي تمتلكها، حيت تعرضت للتدمير والاحتراق بقنابل الإضاءة مرات عديدة، إضافة إلى تلف النحل الذي يتأثر برش الاحتلال بعض المواد السامة.

لكن تربيتها للنحل لمدة 14عاما غرس فيها الصبر والإصرار على اقتحام دروب الحياة الشاقة بعد وفاة زوجها.

وتبدي أم عماد استغرابها من تردد وخوف بعض النساء من خوض غمار العمل والمشاريع الخاصة بهن خشية الفشل، مؤكدة أن تحقيق الأحلام لا يكون إلا بالمثابرة ومواجهة التحديات أيا كانت.

المصدر : الجزيرة