"المؤتمر" بعد صالح.. بين التفتت والشرعية والقيادة الجديدة

"المؤتمر" بعد صالح.. بين التفتت والشرعية والقيادة الجديدة

عشرات الآلاف شاركوا باحتفال تأسيس حزب المؤتمر نهاية أغسطس/آب بصنعاء (رويترز)
عشرات الآلاف شاركوا باحتفال تأسيس حزب المؤتمر نهاية أغسطس/آب بصنعاء (رويترز)
محمد النجار

لعل السؤال الأبرز الذي يشغل المتابعين للمشهد اليمني -بعد مقتل الرئيس المخلوع علي عبد الله صالح- هو مصير التركة الثقيلة التي خلفها وراءه، سواء لجهة النفوذ الكبير داخل مؤسسات الدولة، أو مصير الحزب الذي كان صالح المتحكم الرئيس فيه، ويواجه اليوم مصيرا مجهولا.
وتنبع أهمية البحث عن مصير "المؤتمر الشعبي العام" في كونه الحزب الأكبر في البلاد حيث يبلغ عدد أعضائه وفقا لبيانات الحزب نحو ستة ملايين يمني، ومن المهم -برأي محللين ومختصين بالشأن اليمني- التعريج على نشأة الحزب لفهم مستقبله والمآلات والسيناريوهات لمستقبله.

وكما ساهمت ثلاثة عوامل في تأسيس الحزب، فإن ثلاثة سيناريوهات تنتظر مستقبله برأي العديد من المراقبين والمحللين.

جندي تابع لقوات صالح يقف ضمن قوة لحماية مهرجان الاحتفال بتأسيس حزب المؤتمر الشعبي في أغسطس/آب الماضي بصنعاء (رويترز)
عوامل التأسيس
العامل الأول في التأسيس هو أن الحزب جاء نتيجة لحوارات هدفت لتوحيد قوى الشمال اليمني التي خاضت حروبا طوال عقد السبعينيات من القرن المنصرم، فتأسس في البداية كمؤتمر للمصالحة الوطنية مطلع ثمانينيات القرن الماضي لإنهاء الحروب التي عصفت بالشطر الشمالي من اليمن قبل الوحدة.

وتطورت فكرة المؤتمر لتشكيل لجنة دائمة، ما لبثت أن تحولت للجنة مركزية خرجت منها فكرة إنشاء الحزب الذي أعلن عن تأسيسه يوم 24/8/1982.


والعامل الثاني أن الحزب تأسس بقرار من السلطة الحاكمة في ذلك الوقت، أي أنه جاء من الأعلى للأسفل، وليس نتيجة حركة جماهيرية، كما أنه ارتبط تاريخيا بالراحل صالح قائدا مؤثرا رئيسيا في مشهده.

والمعطى الثالث في تأسيس الحزب أنه نشأ نتيجة حاجة محلية يمنية للمصالحة الوطنية، وليس بناء على أيديولوجيا ميزت الأحزاب العربية الحاكمة لعدد من الدول العربية في تلك الحقبة.

نفوذ الحزب
وتوسع نفوذ الحزب مع الوقت في ظل رعاية الدولة والرئيس صالح له ليهيمن على كافة مفاصلها المدنية والعسكرية، وتوسع هذا النفوذ مع الوحدة بين شطري اليمن، على الرغم من مروره بمنعطفات هامة وحادة.

لكن المنعطف الأهم كان اختبار ثورة فبراير 2011، والتي خرج فيها ملايين اليمنيين مطالبين بالتغيير، حيث انتهى المشهد يومها لتشظي الحزب بين جناحي صالح الذي ظل يتمتع بالقوة الأكبر من جماهير الحزب، وجناح نائبه والرئيس الحالي عبد ربه منصور هادي الذي تسلم السلطة نتيجة للمبادرة الخليجية التي نفذها صالح بعد مماطلة، وظل حتى مقتله يوم أمس الاثنين.

والحقيقة التي لم تتغير رغم كل ما مر به الحزب أن الرئيس الراحل ظل هو المتحكم الأبرز فيه، وهي الحقيقة التي ظهرت جلية بعد خروج صالح من السلطة، حيث انحازت له الغالبية من أعضاء وقيادات الحزب، وظل المتحكم الأبرز في مشهد الدولة من خلال هذه القيادات، إلى أن تمكن الحوثيون من السيطرة على صنعاء عام 2014 وخروج الرئيس الشرعي من اليمن.


وبمقتل صالح فإن الحزب فقد القائد الوحيد له منذ نشأته، كما تلقى ضربة كبرى أخرى بمقتل القيادي البارز فيه عارف الزوركا الذي كان ينظر له بوصفه الأقدر على خلافة صالح وتوحيد الحزب أو الجسم الأساسي فيه، لدرجة أن هناك من يعتقد أن الحوثيين تعمدوا تصفية الزوركا مع صالح لضمان عدم الوصول لنتيجة إعادة توحيد الحزب مرة أخرى.

مناصرون لصالح يرفعون صوره خلال الاحتفال بتأسيس حزب المؤتمر في أغسطس/آب الماضي بصنعاء (رويترز)
ثلاثة سيناريوهات
ومع انتهاء مرحلة صالح، وغياب القيادات القادرة على إعادة توحيد الجناح الأكبر المحسوب عليه، فإن الحزب يواجه سيناريوهات عدة لمستقبله، الأول أن يعيد تنظيم صفوفه عبر تولي قائد جديد له.
وبورصة الأسماء المطروحة ليست كبيرة، ومنها أحمد نجل علي صالح الذي لا يرى فيه كثير من المراقبين شخصية قادرة على إعادة توحيد الحزب لاعتبارات كثيرة.

والخيار الثاني أن ينحاز الحزب للشرعية برئاسة هادي، وهو احتمال قد يتسبب بانقسام الحزب بسبب رفض جناح صالح حتى اليوم الاعتراف بشرعية هادي الذي كان نائبا لرئيس حزب المؤتمر.

أما الخيار الثالث فهو أن يتفتت الحزب، ويتكرس الانقسام فيه، وهي النتيجة التي يسعى الحوثيون بالذات لها، خاصة وأنهم نجحوا في السنوات الأخيرة في استمالة قيادات قبلية هامة كانت تشكل ركيزة هامة في الحزب.

وفي الاحتمال الأخير بالذات، فإن مصلحة الحوثيين أن تنحاز جموع كبيرة من المؤتمريين سياسيين وعسكريين لهم لتقوية حضورهم في المجتمع اليمني، وهو الحضور الذي لا يزال محدودا، بل ومحصور في نطاق جغرافي بسيط في عمران وصعدة وأجزاء من صنعاء.

تفتت "المؤتمر"
وخطر تفتت الحزب، مع غياب إستراتيجية للتحالف لتقديم الدعم الحقيقي للجيش الوطني، ودفع جناح صالح في المؤتمر الشعبي للوحدة مع شرعية الرئيس هادي، فإن المخاوف من استفادة الحوثيين من جهة، وتحول جموع من مقاتلي المؤتمر الشعبي لتشكيل مليشيات من جهة أخرى قد يعقد الأوضاع.

وخلاصة المشهد اليمني، أن كل ما يعانيه هذا البلد من حروب وانقسامات خطيرة، والتوقعات بمزيد من التشظي يخدم أجندة حلفاء إيران وإستراتيجيتهم في السيطرة على اليمن، فيما يبدو أن توحيد القوى اليمنية خلف الشرعية والجيش الوطني هو الخيار الوحيد لمواجهة تداعيات مقتل صالح، لكن ذلك سيحتاج لتغير جذري في إستراتيجية التحالف العربي.
المصدر : الجزيرة + وكالات,مواقع التواصل الاجتماعي