البتواري.. موظف بسيط بصلاحيات سلطان بباكستان

البتواري يمتلك تحت إدارته 17 ملفا مختلفا تشمل ملكيات الأراضي والميراث والضرائب الزراعية وعقود البيع والشراء والإيجار (الجزيرة)
البتواري يمتلك تحت إدارته 17 ملفا مختلفا تشمل ملكيات الأراضي والميراث والضرائب الزراعية وعقود البيع والشراء والإيجار (الجزيرة)

براء هلال-إسلام آباد

لم ينهك قوى عبد الحي ويستغرق كل تفكيره إلا ذلك الموظف البسيط ذو المظهر المتواضع، ورب بسيط منه يُخشى ويُحذر، ذلك الموظف الذي لم تتكرم عليه الحكومة التي توظفه بطاولة وكرسي ينالهما سائر الموظفين، لذا يفترش الأرض ناثرا حوله أكوام الدفاتر والسجلات محاطا بمساعديه، في حين يجثو الخصوم أمامه على ركبهم في مشهد -رغم بساطته- فإنه يشي بالقوة والمنعة.

هو الرجل الذي يخافه ملاك العقارات والرجال الأقوياء في باكستان أكثر من أي شيء آخر، فهو الذي يستطيع أن يزيل أملاكهم بجرة قلم دون أن يكتشف أحد ذلك، ودون الحاجة لأن يلجأ إلى القضاء أو المحاكم، وهو الوحيد الذي يعد كلامه "طابو" لا كلام بعده في هذه المسألة لدى جميع الجهات القضائية والحكومية.

ولهذا يشعل هذا الموظف البسيط خيال المسرحيين والرسامين والبرامج الفكاهية، حيث أضحى اسمه مرتبطا بالذاكرة المحلية ارتباط العيارين والشطار بالذاكرة العربية.

يصحو تشودري عبد الحي صبيحة كل يوم حاملا معه كراسة الأدلة والوثائق المكتوبة بخط اليد والممتلئة بالتوقيعات والبصمات والتصديقات المختلفة متجها إلى مكتب هذا الموظف الذي يسمى باللغة الأردية المحلية "البتواري" وتعني مسجل العقارات، حيث يحاول عبد الحي استرجاع أرضه التي ضاعت ملكيتها منه حين غمرتها الفيضانات في مقاطعة البنجاب الباكستانية عام 2011 على يد بتواري آخر كان مسؤولا عن المنطقة.

يقول عبد الحي بصوت متهدج يملؤه التذمر إن البتواري كان قد استغل الفيضانات التي غمرت قريته وشردت أهلها، وقام بنقل ملكيات كثير من أراضيها إلى أقاربه ومعارفه عبر سندات مزورة، لأن السندات كلها تكتب بخط يده هو أصلا، فاكتشفت الحكومة لاحقا ما ارتكبه ذلك البتواري فألقت القبض عليه ولكنه كان قد أجاد حياكة خطته فضاع ما ضاع.

وفضل عبد الحي اللجوء إلى البتواري الجديد بدل اللجوء للمحكمة التي تستغرق معاملاتها سنين طويلة.

بتوار خانه أو مقر تسجيل العقارات (الجزيرة)

ويعود نظام تسجيل العقارات الحالي أو نظام البتواري المعمول به في باكستان وعموم شبه القارة الهندية إلى عصر السلطان المغولي محمد أكبر، إذ لم تطرأ عليه سوى تغييرات طفيفة، حيث يركز هذا النظام سلطات كبيرة بيد البتواري الذي يعد أصغر موظف لا يتجاوز سقفه خمس درجات من أصل 22 في السلم الوظيفي.

ويمتلك البتواري تحت إدارته 17 ملفا مختلفا تشمل ملكيات الأراضي والميراث والضرائب الزراعية وعقود البيع والشراء والإيجار وأراضي الحكومة وغيرها من العناوين الفرعية، ولكن لا يمتلك أي خريطة حديثة للمنطقة التي تقع ضمن نطاق صلاحياته والتي تتجاوز مساحتها 12 ألف فدان، ولا يملك سوى خريطة قديمة متآكلة ربما تعود لأيام الاحتلال البريطاني في مطلع القرن الماضي وبحجم لا يتجاوز أربعة في خمسة أقدام لمنطقة مترامية الأطراف.

وتتسع سلطة البتواري لتشمل جباية ضرائب الملكية وتقدير حجم الغلال الزراعية وإصدار شهادات القيد المدني وإصدار شهادات الملكية والتصديق على أي معاملات من هذا النوع، على أن هذه السلطات مجتمعة لا تتاح حتى لكبار المسؤولين.

جلسة مصالحة عقدها البتواري (الجزيرة)

ورغم أن قائمة الرسوم الحكومية الرسمية معلقة على كل جدار من المبنى لكن البتواري محمد شكيل لا يجيب عن سؤالك بشأن رسوم معاملات البيع ونقل الملكية حتى يستفسر عن حجم الأرض وموقعها ووضعها بشأن إذا كانت حديقة أو منزلا أو أرضا بورا، ليعطيك جردا بالرسوم الحكومية التي لا تكاد تذكر أمام النسبة التي سيقدرها لنفسه بحسب حالك وبحسب سعر العقار وموقعه، والتي تبدأ من 5% من سعر الأرض قابلة للمساومة.

ويرد على اعتراضك مستنكرا اعتماد الحكومة أسعارا موحدة لجميع الأراضي: هل يصح أن نساوي الأمير بالفقير؟ والأرض العامرة بالأرض الخراب؟ وماذا يفعل موظف مسكين مثلي لم يحصل على ترقية منذ عام 1984 ولا يتجاوز راتبه 150 دولارا في الشهر؟ كيف أطعم أولادي؟

وبينما يؤكد عبد الحي أن البتواري يفتعل الأزمات ليعقد مصالحات بمقابل مادي ويجد العملاء أنفسهم ملزمين باسترضائه لإنهاء المعاملات بعيدا عن القضاء، وأنه يقوم بالتلاعب بالسجلات أو إخفائها أو تعديلها ينفي مدير السجلات العقارية في إسلام آباد أبرار سركل أن يكون هناك أي تلاعب في السجلات.

ويؤكد سركل أن البتواري الذي تثبت عليه أي قضية تزوير يحال إلى المحاكمة، مشيرا إلى أكثر من 85 بتواريا تم القبض عليهم في إقليم البنجاب، حيث كانوا يقدمون للحكومة فواتير مصرفية مزورة عن رسوم الخدمات التي يتقاضونها.

ولعل هذا الأمر هو ما دفع رئيس حكومة البنجاب شهباز شريف إلى التفكير بإحالة نظام البتواري إلى التقاعد بعد أكثر من أربعة قرون على سريانه، إذ لا يصح أن تظل أملاك الناس عرضة للضياع كما يقول عبد الحي الذي يلم بشيء من العربية، وهل يصح -ونحن في عصر التكنولوجيا الرقمية- ألا يصلح العطار ما أفسد البتواري؟

المصدر : الجزيرة