ماكرون.. علاقات جديدة مع أفريقيا دون هيمنة

إمانويل ماكرون خلال جولته في أفريقيا (رويترز)
إمانويل ماكرون خلال جولته في أفريقيا (رويترز)

هشام أبو مريم-باريس


اختتم الرئيس الفرنسي إمانويل ماكرون جولته الأفريقية التي استغرقت أربعة أيام إلى كل من بوركينا فاسو وساحل العاج وغانا، إضافة إلى مشاركته في القمة الأفريقية الأوروبية في أبيدجان.


وركز ماكرون في زيارته على ملف الاقتصاد، وكيفية بناء علاقات مبنية على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة في قطاعات المال والأعمال والطاقات المتجددة والتعليم والصحة.

سعى ماكرون خلال جولته الأفريقية إلى تقديم فرنسا في ثوب جديد بعدما اعترف صراحة بـ"جرائم الاستعمار الأوروبي في أفريقيا"، وناشد الشباب الأفارقة العمل من أجل بناء علاقات جديدة ومتينة بين القارتين الأفريقية والأوروبية.

كما تعهد ماكرون بالقطع بشكل نهائي مع سياسة الإملاءات التي كانت تمارسها بلاده على مستعمراتها السابقة منذ عهد الرئيس شارل ديغول.

قصر الإليزيه
وفي تصريح للجزيرة نت، قال مدير المعهد الفرنسي للدراسات الأفريقية الأوروبية في باريس إمانويل ديفورنو إن سياسة ماكرون الجديدة تجاه أفريقيا تجلت أولى ملامحها في إنشاء المجلس الرئاسي لأفريقيا في قصر الإليزيه، المؤلف من رجال أعمال من أصول أفريقية لديهم علاقات وثيقة مع بلدانهم الأصلية، ليقدموا إليه رؤية عن أفريقيا مختلفة عما تنقله القنوات الدبلوماسية التقليدية.
ديفورنو: سياسة ماكرون تجاه أفريقيا تجلت بإنشاء المجلس الرئاسي لأفريقيا (الجزيرة)

وأوضح المحلل السياسي أن ماكرون لعب ورقة مهمة خلال زيارته باعتباره شابا يخاطب أقرانه من الشباب الأفارقة عندما ألقى خطابه أمام الطلبة في العاصمة واغادوغو في بوركينا فاسو، و"هذا بمثابة درس في الديمقراطية ونوع جديد من التدخل الفرنسي في الحياة السياسية للبلدان الأفريقية".

يذكر أن ماكرون ليست له علاقة بسياسة فرنسا في أفريقيا في حقبة "ما بعد الاستعمار"، كما لم تكن له مواقف سلبية أو عدائية إزاء أفريقيا مثل تصريحات الرئيس الفرنسي الأسبق نيكولا ساركوزي، الذي تحدث عن "عدم دخول الرجل الأفريقي للتاريخ"، وهو ما أثار استهجانا واستنكارا في أفريقيا وفرنسا على حد سواء.

وأوضح ديفورنو أن ماكرون يعرف جيدا أن فرنسا لم تعد قوة نفوذ وحيدة في القارة الأفريقية، وبالتالي فإنها تحاول إعادة بناء علاقاتها مع أفريقيا من خلال عامل الاقتصاد فقط وليس من خلال القنوات الدبلوماسية أو الثقافية، لأن هذا أصبح أمرا مرفوضا من طرف الشباب والنخب الحالية في أفريقيا.

ومن جانبه قال الأستاذ في معهد العلوم السياسية في باريس فرانسيس كابتندي، في تصريح للجزيرة نت، إن زيارة ماكرون قصيرة وليست كافية لتغيير سياسة الهيمنة التي انتهجتها فرنسا منذ أكثر من خمسة عقود.

 ثروة الشباب
وأضاف أن الأجيال الحالية لم تعد تثق في الأقوال، بل تريد أفعالا على أرض الواقع من خلال سياسة واضحة تعتبر الأفارقة شركاء وليس فقط سوقا للاستيلاء على ثرواتهم بأبخس الأثمان.

واعتبر كابتندي أن ماكرون لا يزال يتصرف مع الأفارقة بنوع من الاستعلاء والفوقية، واستدل على ذلك بحادثة "تكييف الهواء" عند إلقائه خطابه في جامعة واغادوغو في بوركينا فاسو، مؤكدا أن هذه الزلة ما كانت لتحدث مع رئيس أوروبي أو آسيوي مثلا.

بلفلاح: فرنسا خسرت الكثير من نفوذها الاقتصادي في القارة الأفريقية (الجزيرة)

يذكر أن هذه أول مرة يقوم فيها رئيس فرنسي بزيارة دولة غانا "الأنغلوفونية" بسبب اعتماد فرنسا في علاقاتها على مدى عقود على مستعمراتها السابقة من خلال الدول الفرنكفونية. ويأتي هذا التوجه في إطار توسيع فرنسا نفوذها وحضورها في أفريقيا بعد فقدانها أسواقا مهمة بسبب منافسين جدد.

وفي تصريح للجزيرة نت يرى الخبير الاقتصادي والأكاديمي في جامعة ليل الفرنسية يونس بلفلاح أن توجّه فرنسا في المناطق الأفريقية الأنجلوساكسونية هو بمثابة توغل في مناطق خارجة عن نفوذها لمواجهة القوى الساعية للاستثمار والإعمار في أفريقيا كالصين وروسيا والهند وتركيا والولايات المتحدة الأميركية، إضافة إلى تنافس مع قوى محلية كجنوب أفريقيا ونيجيريا والمغرب.

كما أوضح الخبير الاقتصادي أن فرنسا خسرت الكثير من نفوذها الاقتصادي في القارة الأفريقية لصالح كل من الصين والولايات المتحدة والهند وتركيا وروسيا، فالأرقام تشير إلى أن الصين هي أول مستثمر في أفريقيا بقيمة 36 مليار دولار، كما أن حجم المبادلات التجارية بين الصين وأفريقيا يبلغ أكثر من 190 مليار دولار، وهو يفوق بذلك حجم المبادلات التجارية بين أفريقيا مع فرنسا، والولايات المتحدة والهند مجتمعة.

المصدر : الجزيرة