السعودية وصالح.. متلازمة المواجهة والإنقاذ

الإعلام السعودي انقلب إلى وصف صالح بالرئيس السابق بعد سنوات من وصفه بالمخلوع (رويترز)
الإعلام السعودي انقلب إلى وصف صالح بالرئيس السابق بعد سنوات من وصفه بالمخلوع (رويترز)
محمد النجار-الجزيرة نت

بتسارع دراماتيكي تمضي الاشتباكات بين مليشيات الرئيس المخلوع علي عبد الله صالح والحوثيين، في مشهد يقرأ فيه مراقبون محاولة من السعودية، وتحالف حربها في اليمن، لإعادة تأهيل صالح لإنقاذها من ورطتها، بعد أن أسهمت الرياض مرتين في إنقاذ حياته، أبرزها عندما تعرض لحروق شديدة إثر محاولة اغتيال عام 2011.
وتوسعت الاشتباكات بين الحليفين السابقين؛ جناح حزب المؤتمر الشعبي المحسوب على صالح، وجماعة أنصار الله الحوثيين، في "مواجهة العدوان على اليمن"، لتشمل كافة أحياء العاصمة والحزام حولها، وتنتقل لمحافظات ومدن خارجها.

وتبادل الطرفان الإعلان عن إحراز التقدم على حساب الآخر، في حين حظي صالح وقواته بما يشبه "رعاية" إعلامية في تغطية ما باتت تسميه وسائل الإعلام السعودية والإماراتية "بالانتفاضة" على "مليشيات الحوثي الإيرانية".


وبشكل مفاجئ، تغير وصف صالح من "المخلوع" إلى "السابق"، في مشهد اعتبر مراقبون أنه يلخص الرهانات الجديدة للرياض وأبو ظبي، في سعيهما للبحث عن طرف يخلصهما من ورطة الحرب المدمرة في اليمن.

صالح المنقذ

ومثل وسائل الإعلام، انقلبت مواقف وتحليلات معلقين سعوديين بارزين، من التحذير المستمر من صالح واعتباره أداة إيرانية في اليمن، للثناء على دوره الجديد؛ في مشهد يعيد تقديم الرئيس الذي حكم اليمن أكثر من ثلاثة عقود، من اعتباره خطرا على الخليج، إلى "مخلص" لليمن وجيرانه من الخطر القادم من الجنوب.
والملفت أيضا كانت الاستدارة السريعة لمواقف الحكومة الشرعية في اليمن من مقر إقامتها في الرياض، إضافة إلى مواقف سياسيين يمنيين طالما حمّلوا صالح مسؤولية الحرب التي قتل فيها آلاف اليمنيين، وباتت البلاد تعيش بسببها أسوأ موجة في التاريخ من الكوليرا، إضافة إلى الجوع الذي بات يفتك بمعظم شعبها.

وعلى الرغم من التصعيد الميداني وفي التصريحات، فإن حزب المؤتمر الشعبي أصدر بيانا أبدى فيه استعداده للحوار مع الحوثيين "لإزالة كافة أسباب التوتر"، مؤكدا موقفه المستمر من "مواجهة العدوان"، في لغة اعتبرها مراقبون محاولة لإمساك العصا من المنتصف بعد التقدم الذي أحرزه الحوثيون على حساب قوات صالح في العاصمة.
وقبل صدور البيان اليوم الأحد، برر أنصار صالح الانقلاب في موقفهم من الحوثيين، بأن ما تشهده صنعاء اليوم يمثل قمة جبل الجليد في خلافاتهم التي يقولون إنها مستمرة مع "أنصار الله" منذ تحالف الضرورة معهم لمواجهة "العدوان".

اكتشاف بعد سنوات
وفي هذا الإطار، قال عضو اللجنة العامة في حزب المؤتمر الشعبي العام عادل الشجاع للجزيرة إن حزب المؤتمر اكتشف أن "الحوثيين لا يواجهون العدوان على اليمن"، وإنما أبناء الشعب هم من يواجهون، بينما يكتفي الحوثيون بالحشد داخل المدن، وانصرفوا لنهب المال والتضييق على أبناء الشعب اليمني.


والملفت أنه يبرر توقيت الاكتشاف بعد ثلاث سنوات، بأن ذلك لم يكن جديدا، وأن الحوارات معهم مستمرة منذ ثلاثة أعوام، وأن الحوثيين استغلوا خطوات الشراكة معهم في المجلس السياسي والحكومة لتعزيز سيطرتهم على المشهد اليمني.

في الطرف المقابل، يرى الحوثيون أن ما قام به صالح جاء نتيجة اتصالاته بالسعودية والإمارات، وأنه "أقدم على عملية انتحارية"، وفق ما قاله عضو المكتب السياسي لجماعة أنصار الله (الحوثيين) عبد الملك العجري للجزيرة. 

وعطفا على تناقضات السعودية وحلفائها في التعاطي مع صالح، يتحدث العجري عن تقلبات صالح الذي وصف السعودية مؤخرا بأنها "خائنة" بعد أن وقفت مع إسرائيل ضد جمال عبد الناصر، والآن أصبحت "دولة شقيقة"، عازيا ذلك إلى ما عدّها عقدا نفسية لدى صالح، إلى جانب الوعود والمغريات التي تلقاها من الإمارات خاصة.

ووسط الاتهامات المتبادلة، يرى مراقبون أن الحرب بين الطرفين تمثل فصلا جديدا في التراجيديا اليمنية التي انتقلت فيها بندقية صالح من كتف لآخر، ضمن طريقته التي يتقنها فيما يسمى "اللعب على رؤوس الأفاعي".
من الحرب للتحالف
وفي هذا الإطار، يذكر المحلل السياسي اليمني خالد الآنسي أن صالح خدع العالم وحلفاءه السعوديين طويلا، بعد أن استثمر في دعمهم له بخوض ست حروب ضد الحوثيين، انتهت بتحالفه مع الحوثيين ضدها وضد تحالفها الساعي إلى تخليص اليمن منه ومن الحوثيين، على حد سواء.
الآنسي قال للجزيرة إنه وبعد كل سنوات الخداع هذه، يعيد الرئيس المخلوع تقديم نفسه بشكل درامي، ليستخدمهم مجددا في حلقة جديدة يعيد فيها تقديم نفسه بطلا محاربا "للروافض والمجوس"، ومدافعا عن الإقليم واليمن.

وأضاف الآنسي أن الإشكالية الكبرى تتمثل في التحالف العربي الذي خاض ثلاث سنوات من الحرب والتدمير، ثم قدم صالح منقذا، مبينا أنه إذا صح ما يجري في صنعاء فإنها "مهزلة وفضيحة" للتحالف الذي عجز عن هزيمة الحوثيين، بينما حسمها صالح في ساعات.


وينتهي لاعتبار ما يجري بأنه "أكذوبة استخدمت للنصب والاحتيال على دماء اليمنيين"، أو مسرحية تفتقر إلى الإخراج الجيد.

ووسط هذا المشهد المتحول في اليمن، فإن مراقبين يرون أن السعودية انصاعت للوصفة الإماراتية لإعادة تأهيل صالح للوصول لنتيجة تضع بأي ثمن نهاية لحرب كلفتها مئات المليارات من الدولارات، ونالت من سمعتها الدولية، بعد أن باتت مادة لتقارير الأمم المتحدة، في حين انتهت أبو ظبي من ترتيب أمور نفوذها في الجنوب والغرب.


وفي انتظار نتيجة مغامرة إعادة تأهيل صالح، لا يبدو أن اليمنيين يأملون سوى نهاية حرب زادت من بؤس السنوات العجاف التي عاشوها تحت حكم رئيس ثاروا عليه، ليعود لهم من جديد، بعد أن أعادته السعودية بداية ثورتهم بوجه جديد غير الذي أحرقته محاولة الاغتيال الفاشلة.
المصدر : الجزيرة + وكالات,مواقع التواصل الاجتماعي