هل تخرج "هيئة تحرير الشام" من الغوطة؟

النظام وروسيا يواصلان قصف الأحياء المدنية بالغوطة الشرقية رغم اتفاق خفض التصعيد (ناشطون)
النظام وروسيا يواصلان قصف الأحياء المدنية بالغوطة الشرقية رغم اتفاق خفض التصعيد (ناشطون)

سلافة جبور-دمشق

تعيش غوطة دمشق الشرقية حالة من الترقب مع غموض لا يزال محيطا بملف إجلاء عناصر هيئة تحرير الشام إلى إدلب (شمال البلاد) وإعادة تفعيل اتفاق خفض التصعيد في المنطقة التي تعتبر من آخر معاقل فصائل المعارضة المسلحة بمحيط دمشق وأكثرها سخونة.

فمنذ مطلع الشهر الحالي، تتداول وسائل إعلامية مختلفة -منها ما هو مقرب من النظام- أخبارا حول مفاوضات تجري بين فصائل المعارضة المسلحة في الغوطة وبين الجانب الروسي بهدف تأمين خروج المئات من عناصر هيئة تحرير الشام إلى إدلب.

الخروج المرتقب في حال حدوثه يعني القضاء على آخر حجج النظام وروسيا في قصف الغوطة واستمرار حصارها، ويفتح الباب لاستئناف اتفاق وقف إطلاق النار وفك الحصار المطبق على المنطقة منذ أكثر من أربعة أعوام. 

المدنيون أكثر ضحايا غارات النظام السوري على الغوطة الشرقية (الجزيرة)

كيف بدأت المفاوضات؟
في مايو/أيار الفائت، دخلت الغوطة الشرقية ضمن اتفاق مناطق خفض التصعيد وذلك بعد توقيع جيش الإسلام ومن ثم انضمام فيلق الرحمن للاتفاق في أغسطس/آب، ليشمل الاتفاق بذلك أكبر فصيلين عسكريين بالغوطة.

غير أن الأشهر التالية لم تشهد التزاما من جانب النظام، حيث استمرت محاولات الاقتحام والقصف بمختلف أنواع الأسلحة، واشتدت وطأة الحصار بشكل غير مسبوق وذلك بذريعة محاربة فصائل إرهابية يفترض منع وجودها في الغوطة والمقصود بها هيئة تحرير الشام، الأمر الذي دفع بالأهالي والهيئات المدنية للمطالبة بخروج عناصر الهيئة.

المطالبة اتجهت نحو الضغط الشعبي وذلك بخروج عدة مظاهرات على مدار الأشهر الماضية تندد بوجود الهيئة بالغوطة وتدعو عناصرها للخروج، وانتقلت لممارسة الضغط العسكري على الهيئة والذي تمثل بشكل أساسي في محاربة جيش الإسلام للهيئة منذ مايو/أيار الفائت، مما أفقد الأخيرة نحو 70% من عتادها وذخيرتها، إضافة لاعتقال أكثر من 150 ومقتل نحو أربعين من عناصرها.

ترافق ذلك مع تعليق منشورات على أبواب المساجد في الغوطة الأسبوع الفائت، تدعو عناصر الهيئة للخروج وتحثهم على تسجيل أسمائهم في مركز مخصص لذلك في حمورية الواقعة ضمن قطاع سيطرة فيلق الرحمن، وفق ما أفاد به سالم عباس وهو من سكان تلك البلدة.

المواطن أفاد بتسجيل عشرات العناصر أسماءهم للخروج إلى إدلب، إضافة لتصفية وبيع ممتلكاتهم ومنازلهم تحضيرا لعملية الإجلاء المرتقبة.

بالتوازي مع ذلك، بدأت منذ أسابيع مفاوضات بين روسيا من جهة وفيلق الرحمن وجيش الإسلام من جهة أخرى، بهدف الوصول لاتفاق يقضي بإخراج المئات من عناصر الهيئة من الغوطة باتجاه إدلب، وهي مفاوضات لا يزال الغموض يلف مصيرها حتى الآن. 

وأكد الناشط الإعلامي كنان العطار لـ الجزيرة نت عرض جيش الإسلام خروج مقاتلي الهيئة عن طريق معبر مخيم الوافدين مما يعني إجبارهم على المرور بمدينة دوما المعقل الأساسي لجيش الإسلام، وهو ما ترفضه الهيئة بشكل قطعي حيث تفضل الخروج من مناطق سيطرة فيلق الرحمن.

هذا العرض ترافق مع انتشار أخبار حول انتظار حافلات خضراء عند معبر مخيم الوافدين لنقل عناصر الهيئة، الأمر الذي نفاه جيش الإسلام باعتباره المسؤول عن المعبر، لكن أكدته عدة مصادر أخرى وناشطون داخل الغوطة، كما نشرته وسائل إعلامية مقربة من النظام السوري، لكنها عادت وتحدثت عن تأجيل الخروج إلى أجل غير مسمى.

جيش الإسلام أيضا تحدث عن اتفاق يريد عقده مع هيئة تحرير الشام لتبادل أسرى بين الطرفين، مع إخراج أسرى الهيئة فورا خارج الغوطة، وهو ما ترافق مع اتهام الهيئة للجيش بإعدام بعض من أولئك الأسرى الأحد الفائت، الأمر الذي نفاه الأخيرة بشكل قاطع في بيان صادر عنه الاثنين الماضي. 

صور بثها ناشطون لمنشورات تدعو عناصر الهيئة للخروج من الغوطة (الجزيرة)

مواقف متباينة
وسط هذه المفاوضات والضغوط، انقسمت الهيئة على نفسها كما يقول العطار. القسم الأول وهو الرافض للخروج من الغوطة، والقسم الثاني الموافق على مطلب الخروج من المهاجرين بشكل أساسي.

الرافضون للخروج يعتبرون الغوطة منطقة جهاد وساحة قتال لا يجوز الابتعاد عنها، والطرف الآخر يبرر موقفه بالرغبة في الخروج للقتال مع الهيئة في مناطق أخرى داخل سوريا، خاصة بعد أن فقدت قوتها في الغوطة مما يهدد بعدم استمرارها على المدى الطويل.

الخلاف بين الطرفين من قياديين وعناصر وصل حد الاستنفار والحشد العسكري والقبض على بعض الراغبين بالخروج أو حجزهم داخل مقراتهم في محاولة لمنعهم من المغادرة.

كما انتشر تسجيل صوتي لأحد شرعيي الهيئة في الغوطة -وهو أبو عبد الله الشرعي- اتهم فيه الراغبين بالخروج "بشق الصف والفرار من الزحف" معتبرا أن فيلق الرحمن وجيش الإسلام يسعيان خلف المؤتمرات وترك السلاح لإفراغ الغوطة من المجاهدين بالتنسيق مع روسيا.

تسجيل صوتي آخر للقائد العسكري للهيئة "أبو محمد الشامي" نشره ناشطون، أشار إلى تحضير الهيئة لعمل عسكري يهدف لفك الحصار عن الغوطة. 

 
محاولة سابقة لقوات النظام اقتحام الغوطة الشرقية (الجزيرة)

ماذا بعد؟
ويرى العطار أن مصير الغوطة لا يزال مجهولا، والسبب الأساسي هو رفض النظام خروج عناصر الهيئة كي لا يخسر مبرره في الدفع لحسم عسكري لإنهاء أي وجود لمعارضيه في محيط دمشق.

تصريحات وزير الدولة لشؤون المصالحة الوطنية علي حيدر لصحيفة الوطن المحلية منذ أيام تصب ضمن نفس السياق، حيث اعتبر أن ما يتناقل حول خروج عناصر الهيئة من الغوطة "لا يتعدى الأقاويل، وهو أمر تتداخل به عدة عوامل بسبب ارتباط المجموعات المسلحة بمشغليها من دول إقليمية".

وأضاف حيدر أن "ما يهم أكثر من خروج فصيل لحساب آخر هو خروج كل الفصائل واستعادة المناطق كاملة سواء عبر مشروع مصالحة أو من خلال مواجهة".

ولا يستبعد الناشط الإعلامي العطار أن يساهم خروج عناصر الهيئة في رسم معالم حل نهائي لأزمة الغوطة التي طال الصراع فيها، خاصة وأن فصائل الغوطة الأساسية (جيش الإسلام وفيلق الرحمن) مقبولة من الطرفين الروسي والأميركي.

المصدر : الجزيرة