خيارات الفلسطينيين بعد الفيتو الأميركي

القيادة الفلسطينية أعلنت عن تصميمها إحباط قرار الاعتراف بالقدس عاصمة لفلسطين   (الأوروبية)
القيادة الفلسطينية أعلنت عن تصميمها إحباط قرار الاعتراف بالقدس عاصمة لفلسطين (الأوروبية)

رغم أن الفيتو الأميركي في مجلس الأمن يوم 18 ديسمبر/كانون الأول الجاري، لم يفاجئ الفلسطينيين بالنظر إلى ما سبقه من تطورات، فإنه أعطاهم دفعا أكثر للتحرك في بقية الهيئات الدولية وطرح خيارات أخرى ناجعة لإبطال قرار الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، وهو ما أشار له مسؤولون فلسطينيون على رأسهم الرئيس محمود عباس

فيتو آخر
لم يكترث الرئيس الأميركي دونالد ترمب -الذي بدا متميزا في قراراته وتصريحاته منذ وصوله إلى البيت الأبيض في يناير/كانون الثاني 2017- لتداعيات قراره الخاص بالقدس على مستقبل السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين، ولم يأبه بالمظاهرات الشعبية العارمة في العواصم العربية والإسلامية، ولا لمواقف القوى الدولية وعلى رأسها الاتحاد الأوروبي وروسيا والصين، وكلهم رفضوا قراره وتمسكوا بحل الدولتين، وقالوا إن وضع القدس المحتلة تحدده المفاوضات بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي.

فبعد أن قدم القدس على طبق من ذهب للاحتلال الإسرائيلي في السادس من ديسمبر/كانون الأول 2017، أجهض ترمب مشروع قرار في مجلس الأمن الدولي قدمته المجموعة العربية ويطالب بإلغاء قرار الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، وصوتت للقرار بقية الدول الأعضاء (14).

الفلسطينيون من جانبهم أدانوا الفيتو الأميركي لكنهم لم يتفاجؤوا به، لأن الإدارات الأميركية المتعاقبة طالما استخدمت الفيتو لحماية الحليفة إسرائيل ضد كل مشاريع القرارات التي تدينها سواء بشأن القدس أو الاستيطان أو اللاجئين، كما وقفت ضد كل المساعي والتحركات الفلسطينية للانضمام للمنظمات الدولية، وقد هددت إدارة الرئيس السابق باراك أوباما في سبتمبر/أيلول 2011 الرئيس الفلسطيني عباس من مغبة التوجه إلى الأمم المتحدة لطلب الاعتراف بالدولة الفلسطينية على حدود عام 1967.   

هذا الفيتو وغيره من المواقف الأميركية المنحازة لإسرائيل دفعت الفلسطينيين إلى البحث عن خيارات أخرى تحفظ لهم حقوقهم، وإذا كانوا قد تحركوا في السابق وحققوا بعض المكاسب مثل الحصول على عضوية الشرطة الدولية (إنتربول) في يوليو/تموز 2017، وعلى صفة دولة مراقب غير عضو في الأمم المتحدة في نوفمبر/تشرين الثاني 2012، فإنهم أصبحوا أكثر تصميما بعد قرار ترمب بشأن القدس الذي من شأنه أن يقضي على حلم إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس.

خيارات
وتتمثل أولى الخيارات التي لجأ إليها الفلسطينيون ردا على قرار ترمب في فك الارتباط مع الوساطة الأميركية بين الفلسطينيين والإسرائيليين، حيث قال الرئيس عباس في مؤتمر صحفي مشترك في ختام القمة الإسلامية التي عقدت يوم 13 ديسمبر/كانون الأول 2017 بإسطنبول التركية، "لم نعد نستطيع القبول بأميركا وسيطا، لأن أبسط الشروط التي يجب أن تتوفر في الوسيط أن يكون نزيها ومحايدا، لا أن يكون منحازا لطرف دون آخر".

وبعد أن خذلهم الفيتو الأميركي في مجلس الأمن، يلجأ الفلسطينيون إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة التي تبقى هيئة دولية بقرارات غير إلزامية، لكنها يمكن أن تدعم موقفهم كما فعلت في قرارات سابقة. 

وبحسب السفير الفلسطيني لدى الأمم المتحدة رياض منصور، فقد تقدم الفلسطينيون بطلب عقد جلسة طارئة تحت المبدأ الأممي "متحدون من أجل السلام"، في إشارة إلى قرار الجمعية العامة رقم 377 الذي يعطي قرارات الجمعية العامة صبغة إلزامية لجميع أعضاء المنظمة، بما في ذلك أعضاء مجلس الأمن الدائمون.

ومن الخيارات التي يطرحها الفلسطينيون أيضا العمل من أجل الانضمام إلى المنظمات الدولية التابعة للأمم المتحدة، حيث كشف الرئيس عباس في مستهل اجتماع موسع في رام الله بشأن القدس أنهم سيعملون فورا على الانضمام إلى 22 منظمة دولية تابعة للأمم المتحدة، كما سيعملون على الانضمام أسبوعيا لعدد أكبر من المنظمات والمعاهدات الدولية.

كما قال عباس إن هدفهم هو الحصول على العضوية الكاملة في الأمم المتحدة، "لأننا نمتلك الأرض والحدود والسلطة على عكس إسرائيل التي لم تمتلك حدودا وخدعت الأمم المتحدة بالعضوية". مع العلم أن الجمعية العامة منحت فلسطين في نوفمبر/تشرين الثاني 2012 صفة دولة مراقب غير عضو في الأمم المتحدة، في خطوة عدّت انتصارا دبلوماسيا ومكسبا قانونيا للفلسطينيين.

وبموازاة التحركات التي يقوم بها الجانب الفلسطيني على الصعيد الدولي، أعلن المجلس الثوري لحركة التحرير الوطني الفلسطيني (فتح) تشكيل قيادة عمل ميداني لوضع كافة قرارات القيادة الفلسطينية موضع التنفيذ وفق متطلبات وتطورات المرحلة، ودعا المجلس -في بيان صدر عقب اجتماعه يوم 18 ديسمبر/كانون الأول الحالي برام الله- إلى تشكيل اللجان القيادية في كافة الأراضي الفلسطينية لقيادة المقاومة الشعبية في وجه الاحتلال الإسرائيلي ومستوطنيه.

وبرأي مراقبين، فإن الرهان الحقيقي لإسقاط القرار الأميركي يبقى على الجبهة الداخلية مرهونا بتوحيد الصفوف وتقديم رؤية موحدة، وهو ما شدد عليه رئيس الحكومة الفلسطينية رامي الحمد الله ورئيس المكتب السياسي لحركة المقاومة الإسلامية (حماس) إسماعيل هنية يوم 12 ديسمبر/كانون الأول 2017 بدعوتهما إلى رصّ الصفوف في مواجهة الموقف الأميركي.

كما يؤكد مراقبون أن الفلسطينيين يمكنهم الرهان هذه المرة على القوى الشعبية والدولية التي توحدت ضد قرار الرئيس الأميركي ووضعت بلاده في عزلة دولية، أظهرتها الصورة التي نقلتها شاشات العالم للمندوبة الأميركية نيكي هيلي، حيث بدت معزولة داخل مجلس الأمن عن بقية الأعضاء (14) الذين أيدوا مشروع القرار.

المصدر : الجزيرة