السعودية والأردن.. علاقة باردة تتفادى التصعيد

مصادر أردنية تؤكد أن السعودية طلبت من الملك الأردني عبد الله الثاني عدم حضور القمة الإسلامية بإسطنبول (رويترز)
مصادر أردنية تؤكد أن السعودية طلبت من الملك الأردني عبد الله الثاني عدم حضور القمة الإسلامية بإسطنبول (رويترز)
محمد النجار

"ليست أزمة لكنها باردة جدا"، هكذا يصف محلل سياسي مقرب من مؤسسة القرار الأردني العلاقة مع السعودية هذه الأيام، في وقت تؤكد مصادر عدة في عمان أن العلاقات مع الرياض "غير طبيعية"، وتتجنب المصادر ذاتها استخدام تعبير "أزمة" في وصف علاقة البلدين.
أحدث فصول الجدل حول العلاقة الأردنية السعودية ظهر في التعليق على التقرير الذي نشرته صحيفة "القدس العربي" اليوم الثلاثاء عن محاولة من الوفد السعودي خلال مؤتمر البرلمان العربي الذي انعقد مؤخرا في العاصمة المغربية الرباط تغيير صياغة تؤكد أن المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس تحت الوصاية الأردنية.

التقرير أشار إلى أن الوفد الأردني "تصدى بخشونة" للمحاولة السعودية، ورغم أن مواقع صحفية أردنية نقلت عن مصادر برلمانية نفيها لذلك، فإن مصادر برلمانية أكدت للجزيرة نت صحتها.

مصدران برلمانيان -طلبا عدم الإشارة لهما- أكدا في اتصال مع الجزيرة نت أن رئيس مجلس النواب الأردني عاطف الطراونة خرج متوترا من اجتماع للجنة صياغة البيان الختامي لاجتماع الدورة 24 للبرلمان العربي، وأنه تحدث عن محاولة سعودية لتغيير صيغة تشير إلى الولاية الأردنية على المقدسات الإسلامية والمسيحية لتصبح "ولاية إسلامية"، وهو الأمر الذي اعتبره الوفد محاولة للقفز على الدور الأردني التاريخي في القدس.

وقبيل هذه الحادثة، عرفت علاقات عمان والرياض فصولا من البرود، كان أحد أسبابها احتجاز السعودية رجل الأعمال صبيح المصري، الذي يوصف بأنه أحد أهم أعمدة الاقتصاد الأردني.

ورغم تسوية هذا الملف وعودة المصري لعمان، فإنها احتاجت اتصالات على أعلى المستويات في عمان مع الرياض لعدم تطورها حتى لا تؤثر سلبا على الاقتصاد الأردني الذي يعاني أزمة خانقة.

والاختبار الحقيقي برأي محللين وسياسيين، لعلاقة البلدين كان في ملف القدس بعد قرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب اعتبارها عاصمة لإسرائيل.

مصادر متعددة في عمان قالت إن الأردن لم يجد حماسة لدى السعودية في التعامل مع خطورة قرار ترمب، وإن زيارة الملك عبد الله الثاني للرياض والتي سبقت القمة الإسلامية في إسطنبول بيوم واحد أكدت على القناعة التي كانت لدى الأردنيين بأن علاقتهم بالرياض تمر بحالة من البرود.

وعلى الرغم من نفي العديد من المصادر الأردنية، فإن مصادر مطلعة عادت اليوم الثلاثاء لتؤكد للجزيرة نت أن الرياض كانت ترغب في أن لا يحضر عبد الله الثاني القمة إلى جانب الرئيس التركي رجب طيب أردوغان.

أولويات سعودية جديدة
وفي هذا الإطار تحدث مصدر أردني مقرب من مطبخ القرار عن أسباب البرود في علاقات عمان بالرياض، مشيرا إلى أنها ترتكز على تغير الأولويات السعودية لدى الحكم الجديد الذي يمثله ولي العهد محمد بن سلمان.

وقال إن هناك تباينات واضحة في أولويات الصراع في المنطقة، حيث ترى عمان أن الأولوية الكبرى هي للصراع مع إسرائيل وعلى رأسه قضية القدس، في وقت ترى الرياض أن الأولوية الأولى قبل كل شيء الصراع مع إيران.

ويشير المصدر إلى أن هناك تباينا في إدارة الملف الخلافي الخليجي والمقاربات الإقليمية كلها، إضافة إلى شعور الأردن أن السعودية تخلت عنه هذه المرة في أزمته الاقتصادية الخانقة التي يمر بها خاصة وأن أحد أهم أسبابها تأثر الأردن بالأزمات الإقليمية.

لكن المصدر أكد للجزيرة نت أن الطرفين لديهما حرص كبير على إدامة العلاقة بينهما، وعدم المساس بها واستمرار التنسيق على أعلى مستوى.
ويلفت في هذا الإطار إلى وجود نحو 600 ألف أردني يعملون في السعودية، وأن هناك قناعة في عمان بضرورة الحفاظ على هؤلاء كمصلحة أردنية عليا.

صفقة القرن
لكن المصدر يشير إلى أن عمان لديها قلق مما يجري خلف الستار حول من مباحثات أميركية مع أطراف عربية وإسرائيل لعقد "صفقة القرن".
وتابع "رغم هذا القلق، عمان مقتنعة أنه لا يمكن عقد أي صفقة أو اتفاق دون موافقتها أو موافقة الفلسطينيين، ولا يوجد طرف عربي قادر على تجاوز الدور الأردني المرتبط بكافة ملفات الوضع النهائي".
لكن مراقبين آخرين أشاروا للجزيرة نت إلى أنه وبعيدا عن حرص المطبخ الرسمي الأردني على عدم تطور البرود في العلاقة مع السعودية ليصل لمرحلة الأزمة، فإن هناك قناعة شعبية كبيرة بأن السعودية لا تقف مع الأردن اليوم كما كانت دائما.

ويشير برلماني أردني إلى أن رسائل شفهية وصلت إلى عدد من أعضاء مجلس النواب تطلب منهم تخفيف حدة انتقاداتهم للسعودية والتي بدرت منهم في وسائل الإعلام، وذلك إثر احتجاج سعودي على هذه التصريحات.

غضب شعبي
كما يلفت إلى أن الأردن الرسمي لن يتمكن من ضبط الإيقاع الشعبي الذي يعبر قطاع منه عن غضبه من السعودية في ملف القدس، وهو ملف بالنسبة للأردنيين جميعا "قضية أمن وطني أردني إضافة لاعتباراتها الفلسطينية والعربية والإسلامية".

وبنبه المصدر إلى أن اللغة التي استخدمها السفير السعودي في عمان في تصريحه لقناة محلية في توضيحه لأسباب تحذير سفارته الرعايا السعوديين من الاقتراب من أماكن المظاهرات لأجل القدس، "استفزت قطاعا واسعا من الأردنيين".

وبعيدا عن جدل البرود في علاقة عمان بالرياض، فإن المصادر الأردنية كافة باتت تحضر نفسها لحقيقة اختلاف الحكم الجديد في الرياض في نظرته للأردن ودوره في المنطقة انطلاقا من تغير الأولويات السعودية تجاه ملفات المنطقة.
المصدر : الصحافة البريطانية,الجزيرة