إستراتيجية ترمب الأمنية.. مطامح التفرد بمواجهة مخاطر التبدد

تركز الإستراتيجة الجديدة التي عرضها ترمب بواشنطن على أربع أولويات وثلاثة تهديدات (الأوروبية)
تركز الإستراتيجة الجديدة التي عرضها ترمب بواشنطن على أربع أولويات وثلاثة تهديدات (الأوروبية)

أمين محمد حبلا

أخيرا كشف الرئيس الأميركي دونالد ترمب عن إستراتيجيته الأولى للأمن القومي الأميركي بعد نحو سنة من وصوله إلى البيت الأبيض وبعد شهور من المراجعات والنقاشات داخل أروقة الدوائر والمؤسسات الأميركية المتعددة.

وركزت الإستراتيجية الجديدة على أربعة محاور رئيسية هي حماية الأمن الداخلي للولايات المتحدة والشعب الأميركي، ورخاء الولايات المتحدة، والحفاظ على السلام من خلال القوة، وتوسيع النفوذ الأميركي حول العالم.

واستعرض الرئيس الأميركي دونالد ترمب في كلمة له الاثنين بالبيت الأبيض، ملامح خطته الجديدة التي جاءت تحت شعار "أميركا أولا"، وهو الشعار ذاته الذي رفعه خلال حملته الانتخابية عام 2016، وصفق الحضور البالغ عدده نحو 650 شخصا أكثر من مرة خلال إلقاء ترمب كلمته.

ويلزم الكونغرس كل إدارة أميركية بوضع إستراتيجية للأمن القومي. وقال مسؤول شارك في إعداد الوثيقة إن إستراتيجية ترمب الجديدة تأثرت بشدة بأفكار كبار مسؤولي الأمن القومي وليس بأفكار الرئيس نفسه.

ولم تنشر واشنطن تفاصيل الإستراتيجية الجديدة، واكتفت فقط بنشر معالمها الرئيسية وخطوطها العريضة بدواعي الحفاظ على مصالح الولايات المتحدة، وهو ما رأى فيه معلقون انعكاسا لحالة غياب الشفافية التي بدأت تلاحظ في الآونة الأخيرة منذ وصول ترمب للسلطة.

عناوين بارزة
تضمنت الإستراتيجية الجديدة تركيزا على أربعة محاور تمثل أولويات رئيسية للإدارة الأميركية خلال السنوات القادمة، وثلاثة تهديدات تعمل على مواجهتها، وتتركز الأولويات على حماية الولايات المتحدة، وتحقيق الازدهار لشعبها، وتعزيز السلم من خلال القوة، وتوسيع النفوذ.

ويشمل البند الأول (حماية الولايات المتحدة) عددا من المهام والأولويات منها -حسب وسائل إعلام أميركية- تعزيز السيطرة على الحدود وإصلاح نظام الهجرة، ونشر نظام دفاع صاروخي متعدد الطبقات للدفاع عن الولايات المتحدة ضد الهجمات الصاروخية، واستهداف التهديدات في مصدرها قبل أن تصل إلى الحدود أو تسبب ضررا للشعب الأميركي.

ويتضمن البند الثاني (تحقيق الازدهار والرخاء للشعب الأميركي) مهام وألويات منها: تحقيق النجاح في المنافسة الجيوسياسية في القرن الحادي والعشرين، وتجديد الاقتصاد الأميركي لصالح العمال والشركات الأميركية، والريادة في مجال البحوث والتكنولوجيا والابتكار، وحماية قاعدة الابتكارات الأمنية الوطنية.

كما شمل البند الثالث (المحافظة على السلم من خلال القوة) إعادة بناء القوة العسكرية الأميركية لضمان بقائها في المرتبة الأولى، واستخدام أميركا جميع الأدوات الدبلوماسية والمعلوماتية والعسكرية والاقتصادية لحماية مصالحها، والحرص على الحفاظ على توازن القوى لصالح الولايات المتحدة في المناطق الرئيسية من العالم: الهند والمحيط الهادي وأوروبا والشرق الأوسط.

ويشمل البند الرابع والأخير (تعزيز النفوذ الأميركي في العالم) السعي لإقامة شراكات مع الدول ذات التوجهات المماثلة من أجل تعزيز اقتصادات السوق الحرة ونمو القطاع الخاص والاستقرار السياسي والسلام، ومواصلة تعزيز النفوذ الأميركي في الخارج لحماية الشعب وتعزيز الازدهار، وتنافس الجهود الدبلوماسية والتنموية للولايات المتحدة لتحقيق نتائج أفضل في مختلف المجالات.

وتذكر الإستراتيجية الجديدة -حسب خطاب ترمب- ثلاثة تهديدات أساسية تتمثل في "الأنظمة الشريرة المخادعة" ككوريا الشمالية، والدول التي تمثل تحديا لقوة التأثير الأميركي كالصين وروسيا، إضافة إلى التهديدات غير الحكومية المتمثلة في تنظيم الدولة الإسلامية.

وقال ترمب إن إستراتيجيته تشمل هزيمة ما يسميه الإرهاب الإسلامي، ومنع انتقاله إلى الولايات المتحدة، وتحدث في هذا الإطار عن نجاح التحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة في استعادة كل الأراضي التي كانت تحت سيطرة تنظيم الدولة في سوريا والعراق.

وبشأن مكافحة الإرهاب أيضا، أشار إلى الاتفاق مع دول الخليج في وقت سابق من هذا العام على محاربة ما سماها أيديولوجية التطرف ووقف تمويل المجموعات المتطرفة. واعتبر ترمب أن إدارة الرئيس السابق باراك أوباما تتحمل مسؤولية سيطرة من وصفهم بالإرهابيين على أجزاء من العراق وسوريا.

كما اتهم إدارة أوباما -دون أن يسميها- بعقد اتفاق ضعيف مع إيران، في إشارة إلى الاتفاق النووي الذي أبرمته الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن الدولي وألمانيا مع إيران منتصف يوليو/تموز 2015. وبشأن طهران أيضا، أشار الرئيس الأميركي إلى اعتباره الحرس الثوري الإيراني كيانا إرهابيا.

إعادة تموضع إستراتيجي
وقال الخبير العسكري والإستراتيجي الأميركي كولن كلارك للجزيرة إن الإستراتيجية الجديدة تمثل إعادة تموضع من الناحية الإستراتيجية من خلال الاعتماد على الأدوات العسكرية والدبلوماسية أكثر من أدوات الأمن الداخلي لتحقيق الأهداف الإستراتيجية المتعلقة بالأمن القومي.

وأشار إلى التحول الذي حصل في نظرة ترمب إلى الصين، حيث ظل ينظر إلى الرئيس الصيني ومنذ لقائهما في فلوريدا بوصفه رجلا يمكن الوثوق به، لكن تتالي التجارب الصاروخية الكورية الشمالية دون تدخل صيني جعل ترمب يلجأ -في إستراتيجيته الجديدة- إلى وسائل أكثر قوة في التعامل مع الصين.

من جهته يرى أستاذ العلوم السياسية بالجامعة الأميركية في باريس زياد ماجد أن ترمب -وفي ظل الالتباسات الكثيرة لتصريحاته في الفترة الماضية، واتهامه من لدن كثيرين بالتصرف خارج الأطر المؤسساتية التقليدية، والتناقضات العديدة بينه وبين وزير خارجيته في أكثر من ملف- يحاول هذه المرة أن يظهر بمواقف أكثر تماسكا، ومع كل ذلك بدت إستراتيجيته الجديدة أقل وضوحا.

ويضيف أنه إذ كان صحيحا أن التغير الأوضح في الإستراتيجية الجديدة جاء تجاه الصين التي تحولت إلى خصم أو منافس في الإستراتيجية الجديدة، بعد أن كانت "شريكا" في عهد الرئيس السابق باراك أوباما، فإن مواقفه تجاه روسيا ازدادت غموضا وحملت إشارات متناقضة، وهي الحال ذاتها إزاء سياسته الشرق أوسطية.

وتعتبر الإستراتيجية الأمنية الجديدة أن روسيا والصين تتحديان القوة والنفوذ والمصالح الأميركية، وتحاولان تقويض الأمن والرخاء في الولايات المتحدة، وتؤكد أن البلدين مصممان على جعل الاقتصادات أقل حرية وأقل نزاهة، وعلى تنمية قدراتهما العسكرية.

وقد سارعت كل من روسيا والصين إلى التحفظ على الإستراتيجية الجديدة، حيث رأى الكرملين أنها تُظهر إصرار واشنطن على التمسك بعالم أحادي القطب. وقال الناطق باسم الكرملين ديمتري بيسكوف إن بلاده ستدرس هذه الإستراتيجية التي يبدو من خلال الاطلاع الأولي عليها أنها تحمل طابعا إمبريالياً.

وأضاف أن موسكو لا يمكن أن تتفق مع واشنطن بأن روسيا تشكل تهديدا أمنياً لها، ولكن في الوقت عينه ثمة نقاط إيجابية في الإستراتيجية خصوصاً فيما يتعلق بالرغبة بالتعاون في الملفات التي تهم المصلحة الأميركية، وهذا ما يتوافق مع نهج موسكو، بحسب ما قال بيسكوف.

كما قالت المتحدثة باسم الخارجية الصينية هوا تشون ينغ إن الولايات المتحدة ما زالت تتعامل بعقلية الحرب الباردة وفقا لمضامين الإستراتيجية الجديدة. وأكدت أن أي خلل في العلاقات الصينية الأميركية لن تكون معه بكين المتضررة الوحيدة، حيث يصل التبادل التجاري بين البلدين إلى نحو 600 مليار دولار، كما توفر الاستثمارات الصينية في الولايات المتحدة ثلاثة ملايين فرصة عمل.

إستراتيجية ميتة
ورغم الزخم الذي حاول البيت الأبيض إضفاءه على الإستراتيجية الجديدة، فقد اعتبرت صحف أميركية أنها ولدت ميتة وتستحق التجاهل.

وقال الكاتب في مجلة فورين بوليسي ميكا زينكو إن إستراتيجيات الأمن القومي ومنذ فرضها من قبل الكونغرس عام 1986 كانت إما أن يتم نسيانها بسرعة وإما يتم تنفيذها بشكل لا معنى له.

وأضاف أن وثيقة الإستراتيجية التي تحتوي على 68 صفحة، أعلنت أن هدفها الأساسي هو حماية الأميركيين ومصالحهم وأسلوب الحياة الأميركية، لكنها في الواقع لم تتعامل مع أي تهديدات أو مخاطر داخلية يتعرض لها الأميركيون بشكل يومي.

وذكر الكاتب الأمراض غير المعدية مثل أمراض القلب والسرطان وأمراض الجهاز التنفسي والسكري التي تحصد كل عام أرواح قرابة 2.5 مليون أميركي وتكلف مليارات الدولارات، والمشروبات التي تحتوي على السكر وتتسبب في وفاة ما يقدر بـ25 ألف شخص. ومضى الكاتب يعدد الأمراض وأسباب الموت في أميركا بالأرقام والإحصائيات.

وقال زينكو إن إستراتيجية ترمب ذكرت "الإرهاب" 58 مرة، وتعهدت بهزيمة "الجهاديين الإرهابيين" مثل كل الإستراتيجيات السابقة لها منذ 11 سبتمبر/أيلول 2001، مشيرا إلى أنه وخلال الـ16 عاما الماضية قتل "الجهاديون" 103 أميركيين، في حين قتلت المخدرات 59 ألفا العام الماضي وحده، وارتفعت نسبة الانتحار 25% العام الماضي عن العام السابق له وتسبب في موت 43 ألفا.

واختتم بأن هذه الإستراتيجية ربما تزعم أنها ستضع أميركا أولا في العالم بسياستها الخارجية، لكنها لن تضع الأميركيين أولا لأنها لا تفهم أن أخطر المهددات للأميركيين داخلية المنشأ.

أما مجلة نيوزويك فقالت إن هذه الوثيقة ولدت ميتة لأنه من المستحيل تنفيذها مع وجود قائد أعلى لا يستطيع الثبات على كلمته، وليس لديه إيمان بأي من أهم المبادئ التي تقوم عليها الوثيقة.

المصدر : وكالات,مواقع إلكترونية,الصحافة الأميركية