رسالة القدس حملها شهيد بنصف جسد

إبراهيم أبو ثريا قبل وبعد استشهاده (الجزيرة)
إبراهيم أبو ثريا قبل وبعد استشهاده (الجزيرة)

محمد عمران-غزة 

ما زالت صورة الشهيد المقعد إبراهيم أبو ثريا، وهو ملقى على الأرض والدماء تسيل من جبينه جراء قنصه برصاصة جندي إسرائيلي، ماثلة أمام ناظري الشاب رامي الشيخ خليل الذي رافق أبو ثريا خلال مشاركته بالمواجهات المندلعة على حدود غزة مع الاحتلال رفضا لقرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب بشأن القدس.

يقول خليل "لم يعبأ الشهيد بنداءات المنتفضين لإبعاده عن منطقة الخطر، وظل مندفعا يقفز بنصف جسده على يديه تارة ويتدحرج تارة أخرى حتى يرفع علم فلسطين وجها لوجه قبالة جنود الاحتلال، الذين لم يترددوا في قتله وهم يشاهدونه بقدمين مبتورتين بالكامل".

  محمد أبو الريش صديق الشهيد (الجزيرة)

إصرار
وما بين رفع العلم والشهادة، معركة استمرت ساعات ـكما يروي خليل- مشيرا إلى أن عشرات الشباب تراجعوا عدة مرات جراء إطلاق الرصاص الكثيف وقنابل الغاز المدمع، بينما كان أبو ثريا يندفع ليقترب أكثر من السياج الفاصل مصوبا مقلاعه نحو جنود يحتمون بتلة صغيرة.

ويقول أبو الريش صديق الشهيد "الإقدام سمة لازمت إبراهيم منذ طفولته وحتى استشهاده، وهو ما برز عندما أصيب بقصف إسرائيلي عام 2008 واضطر الأطباء لبتر قدميه بالكامل، من دون أن يفت ذلك في عزيمته".

ويستذكر الصديق "انبهار" كل من عرف أبو ثريا بعودته للحياة تدريجيا من خلال عمله في تنظيف وتلميع السيارات آنذاك، وتكراره لأمنيته بلقاء ربه شهيدا دفاعا عن وطنه "حتى نال ما تمنى".

ولأن وجهه مألوف لكثيرين ممن خبروه أو شاهدوا قصة كفاحه عبر شاشات التلفاز، فإن استشهاده نزل كالصاعقة عليهم، خصوصا وأن صدى كلماته خلال مواجهات المناطق الحدودية مع الاحتلال ما زال في مسامعهم وهو يكررها قبل استشهاده "هذه الأرض أرضنا والقدس لنا وشعب الجبارين لن يستسلم".

 والده يسأل: ماذا لو كان ابني مستوطنا (الجزيرة)

لو كان مستوطنا؟
وبرزت محبة الناس للشهيد من خلال المشاركة الواسعة في تشييع جثمانه وحالة الحزن والألم المسيطرة على المشيعين، وهم يستشعرون شهيدا بنصف جسد "يتحدى بكرسيه المتحرك احتلالا ظالما" وفق والده نايف أبو ثريا.

وفي لحظات الوداع الأخيرة، كان المشهد مؤثرا للغاية، فصرخات وصيحات العائلة والأقارب والأصدقاء ضجت بالمكان، قبل أن يجثو الجميع على الأرض وهم يقبلون رأس الشهيد ويحتضنون جثمانه، لينكب الوجع عليهم كمن غرقوا بسحابة حزن أمطرتهم بالآلام.

وتساءل الأب المكلوم غاضباً "ماذا لو كان ابني مستوطنا وقتل بجانب كرسيه المتحرك، هل سيصمت العالم بهذه الصورة؟".

واستدرك قائلا "هذه الوقفة من شعبنا تكفيني، إبراهيم عاش فقيرا لكنه مات شهيدا وبطلا يحبه ويبكي لفراقه الجميع".

وفي مقابل تماسك الأب ولو قليلا، سالت الدموع بغزارة من مآقي أم الشهيد حزنا لفقدان فلذة كبدها، رغم محاولتها إظهار تماسكها وفرحتها لابنها باعتبار الشهادة كانت أمنية له.

.. والأم المكلومة تتحدث عن أمنيته التي تحققت (الجزيرة)

أمنية
"لكنه مهجة القلب والروح" تقول الأم بحرقة للجزيرة وهي تتحدث عن آخر لحظات الفراق قبل مغادرته المنزل، حيث ودع العائلة وهو يبلغهم بأنه يرى أمنيته تتحقق أمام ناظريه، وهو ما حصل في هذا الشهر الذي ولد فيه الشهيد قبل 29عاما وبفارق تسعة أيام.

ووري جثمان إبراهيم الثرى، ولم تنته حكاية استشهاده التي أبكت الفلسطينيين والعالم، خصوصاً أولئك الذين تابعوه وهو يتنقل بكرسيه المتحرك بحدود غزة متسلحا بعلم فلسطين وبعض الحجارة، لتبقى صورته وكلماته أشبه بملحمة سرمدية لمن يقدمون لوطنهم بكل قوة رغم شدة ضعفهم.

المصدر : الجزيرة