فوزي الجنيدي.. "أيقونة" انتفاضة القدس

فوزي الجنيدي.. "أيقونة" انتفاضة القدس

عدد كبير من جنود الاحتلال اعتقلوا  الجنيدي خلال مواجهات في باب الزاوية بمدينة الخليل (غيتي-الأناضول)
عدد كبير من جنود الاحتلال اعتقلوا الجنيدي خلال مواجهات في باب الزاوية بمدينة الخليل (غيتي-الأناضول)
عاطف دغلس-الخليل

كأن بالفنان العربي مارسيل خليفة يعني بأغنيته "منتصب القامة أمشي، مرفوع الهامة أمشي" ذاك الفتى الفلسطيني فوزي الجنيدي الذي ظهر محاطا بكتيبة من الجنود الإسرائيليين وهم يقودونه معتقلا خلال مواجهات اندلعت احتجاجا على القرار الأميركي اعتبار القدس عاصمة لإسرائيل ونقل سفارة واشنطن إليها من تل أبيب.

قبل أسبوع في باب الزاوية وسط مدينة الخليل جنوبي الضفة الغربية، وقع الحدث والتُقطت صورة للفتى "الأيقونة"، وقد اقتيد معتقلا وهو مقيد اليدين ومعصوب العينين بين 23 جنديا إسرائيليا، بدت عليهم علامات خوف ورعب أكثر من المعتقل نفسه.

لم يكن الجنيدي (16 عاما) أن يصطنع مشيته أو ذاك الشموخ، إنها "طبيعته" منذ صغر سنه، وقد تحمل مسؤولية عائلته بأكملها وغادر مقاعد الدراسة باكرا ليلحق بركب العمل وإعالة أسرته بعد أن أصيب والده في عمله وأضحى مقعدا على كرسي متحرك منذ سنوات.

شاء القدر أن يكون عمل الجنيدي بمنطقة باب الزاوية، حيث المواجهات الدائمة مع جنود الاحتلال، فأكمل عمله وابتاع احتياجات عائلته ثم هم بمغادرة المنطقة.

حاول الجنيدي الفرار مع الشبان بعد أن تصاعدت حدة المواجهات "ليجد نفسه ملقى على الأرض بين جنود الاحتلال"، يقول والده محمد الجنيدي، نافيا اتهام الاحتلال ابنه "بإلقاء الحجارة" والمشاركة بالمظاهرات.

ذلك لن يقنع الاحتلال، يقول الرجل، ففوزي الجنيدي صار "إرهابيا" بمجرد اعتقاله، غير أن الإرهاب الحقيقي عاشه الفتى بالضرب المبرح لحظة اعتقاله ثم التنكيل به ونقله بين ثلاثة مراكز توقيف واعتقال في ليلة واحدة وإخضاعه لتحقيق قاس.

عمل فني لمحمد أبو عياش يجسد الصورة التي أظهرت اعتقال فوزي بالخليل (الجزيرة نت)

الفتى "الأسطورة"
رغم هذا، ثمة ما يُخفف عن العائلة مُصابها ويشد من أزرها "؛ فالفتى غدا "أسطورة" تجسد صمود فلسطينيين ممن هم في عمره أو أصغر سنا، كسروا شوكة الاحتلال، كما لم تنقطع كذلك زيارات ورسائل الدعم للفتى وعائلته، خاصة من المؤسسات الحقوقية والإنسانية العربية والدولية التي تبنت الدفاع عنه ودعت لإطلاق سراحه.

باعتقال فوزي الجنيدي شعرت العائلة بحجم الفراغ؛ فالفتى "سد ثغرة" أحدثها مرض والده بإعالة أسرته، يقول عمه منذر الجنيدي، لأنه سرعان ما أوجد لنفسه مكانا بين الكبار قبل الصغار تماما كما بدا اسمه أكبر من عمره بكثير.

كان لشموخ الفتى وهو يمشي بين الجنود أثره محليا وعالميا، فشكل إلهاما لشعراء وفنانين تشكيليين محليين وعالميين جسدوه واقعا في أعمال عدة، خطوها رسما وكتابة، وبدا فيها صلبا شجاعا وليس "إرهابيا" كما يُصوِّره الاحتلال للعالم.

من الصورة ذاتها تولدت فكرة عمل فني عند المصمم الفلسطيني وابن مدينة الخليل محمد أبو عياش أطلق عليه "حريتي أقوى"، واقتبس من حالة "التكابر" لفوزي قصة توزعت فصولها بين القوة والاستهزاء بجنود مدججين بالأسلحة أمام فتى أعزل لسان حاله يقول "لن تغتالوا الطفولة".

ظهرت معاني الطفولة لدى فوزي بعزة ودون وجل وسط حرية مفقودة دلل عليها أبو عياش بسرب حمام بلون العلم الفلسطيني يحوم فوق رأس الفتى الجنيدي الذي سلبه الاحتلال الإسرائيلي حريته مثل آلاف الأطفال الفلسطينيين.

ومثل أبو عياش حضرت بقوة أعمال الفنانة التشكيلية الإيطالية أليسيا بولنزي، وسرعان ما تحولت لأيقونة ووسم اعتلى صفحات التواصل الاجتماعي ليس عند عائلته فقط، بل في صفحات عديدة أيضا.

الوالد وشقيقان لفوزي الجنيدي بمنزل العائلة (الجزيرة نت)

تهم ملفقة
ينتاب العائلة قلق كبير على نجلها الذي تأجلت محاكمته للأسبوع القادم في محاولة "يائسة" من الاحتلال لتلفيق تهم "إلقاء الحجارة ومقاومة جنود الاحتلال أثناء الاعتقال"، وفق الباحث في الحركة العالمية للدفاع عن الأطفال (فرع فلسطين) عامر الجنيدي.

لكن، وحسب الباحث الجنيدي، فهذا لم يحدث؛ فما تم توثيقه يؤكد أن الجنود هم من اعتدوا عليه بالضرب فوق "إصابته بالرصاص المطاطي قبل اعتقاله"، كما أن الدم الذي تلطخ به وجهه يؤكد حجم الاعتداء، كل ذلك سيجعل منهم كجهات حقوقية "ترسانة" تقف للدفاع عن فوزي أمام محاكم الاحتلال وأمام الرأي العالمي.

رغما عنه، استبدلت مقاعد الدراسة لفوزي الجنيدي بمقاعد التحقيق والسجن الإسرائيلي تماما مثل منعطفات كثيرة في حياته حولته من فتى بحاجة لكل شيء، إلى رجل في سن الأطفال يعطي كل شيء.

المصدر : الجزيرة