الشهيد محمود.. القدس نادتنا فلبينا النداء

صورتان للشهيد محمود الأولى واقفا قبل استشهاده والثانية خلال تشييع جنازته (الجزيرة)
صورتان للشهيد محمود الأولى واقفا قبل استشهاده والثانية خلال تشييع جنازته (الجزيرة)

محمد عمران-خان يونس

ما أن أطل الشباب يحملون جثمان الشهيد الفلسطيني محمود المصري على أكتافهم ويهمون بإدخاله لمنزل عائلته، حتى بدأت أمه في التكبير قبل أن تطلق زغاريدها بصوت مرتفع.

وسرعان ما جثت الأم الثكلى على الأرض لإلقاء نظرة الوداع الأخيرة على فقيدها الذي ارتقى أمس خلال مواجهات المنطقة الحدودية مع إسرائيل شرق خان يونس، ليكون أول شهيد فلسطيني بغضبة القدس.

وبدت الأم متماسكة وهي تقبل جبين ابنها تارة وتحتضن جثمانه تارة أخرى، من دون أن تذرف الدموع أو تطلق صراخا وعويلا، بل كانت تهدئ من روع أشقائه وأصحابه وأقاربه ممن كانوا يبكون بحرقة لفراق محمود الذي كان بينهم قبيل استشهاده بساعات.

أم الشهيد محمود المصري تقابل الخبر بالزغاريد (الجزيرة)

زغاريد الأم 
وبدلا من مواساتها أو تعزيتها في ابنها الشهيد، طلبت الأم من النسوة المحيطات بها تهنئتها باستشهاده "حيث نال ما تمنى بعد رفضه الزواج رغم إلحاح عائلته عليه وإبلاغهم دوما بأن ما ينتظره لا يقارن بما يتمنونه له".

وتستذكر أم الشهيد آخر كلماته ليلة استشهاده، عندما مازحها بأن المدينة المقدسة تنادي على شباب فلسطين قائلا "ألا تستحق يا أمي، فردت الأم: تستحق لكنها لكل العرب والمسلمين وليس لك أو لشباب فلسطين" فقط. 

تقول الأم للجزيرة نت إنها لم تتخيل أن ابنها مقدم على طلب الشهادة حتى عندما غادر منزله في الصباح متوجها إلى المنطقة الحدودية، وبعد استشهاده استعادت الأم ذاكرتها لتربط بين كل الكلمات والمواقف التي كان يرددها الشهيد عمن يضحون بأرواحهم فداءً لفلسطين والقدس.

الكلمات التي كتبها الشهيد على صفحته بموقع فيسبوك قبل يوم من استشهاده لم تثر انتباه أي من أفراد عائلته، حيث كتب يقول "احنا عشاق البارود، وباسمك نعلي الرأس، دونها يا رصاص، دونها واحكي للأسود نحن بالدم نجود".

والشيء الوحيد الذي أشعر الأم بأن شيئا ما قد حدث هو الاتصال الذي تلقته من شقيقه التوأم أحمد المقيم في السويد، يسألها عن أحوال محمود وهل هو بخير أم لا؟

عندها، تقول الأم إنها سارعت للاتصال بالشهيد فكان الجوال مغلقا، فزاد قلقها لكن ليس إلى حد الاعتقاد بمقتله حتى جاءها الخبر نهاية النهار.

وبينما تحرص أم الشهيد على الظهور متماسكة صابرة محتسبة، كان الوجع يتناثر بين ثنايا كلماتها وحشرجة صوتها وزغاريدها التي كانت تتلعثم في نهايتها.

تقول الأم عن ابنها الشهيد "هو مهجة قلبي وروحي، لكن لابد من الفرح لأنه نال ما تمنى وضحى بروحه لغاية إسلامية ووطنية".

عبد المجيد المصري والد الشهيد (الجزيرة)

صبر واحتساب
أما والد الشهيد فقد افترسه الحزن لدى رؤية جثمان ابنه في ثلاجة الموتى بالمستشفى، إلا أنه سرعان ما استعاد عافيته وهو يستمع لرواية استشهاده ممن كانوا إلى جانبه قبيل استهدافه من قناص بقوات الاحتلال.

ووفق رواية أحد الشباب من شهود العيان أصر الشهيد على الوصول إلى السياج الفاصل ليرفع علم فلسطين، رغم مشاهدته جنودا إسرائيليين يصوبون بنادقهم نحوه، وبعد كر وفر استمر ساعات أطلقوا عددا من طلقات الرصاص أصابته مباشرة في الرأس وظل ينزف فترة قبل تمكن الطواقم الطبية من انتشاله.

ويذكر تشييع الشهيد المصري بمشاهد انتفاضة الأقصى، حيث المشاركة الجماهيرية الواسعة في تشييع الشهداء وتقدم رجال المقاومة مواكبهم، وإطلاق الرصاص في الهواء ابتهاجا باستشهادهم.

ولم يكن والد الشهيد أقل رباطة جأش من والدته، إذ سار مع مشيعي جنازة ابنه وحمل جثمانه مع رفاق دربه بعض الوقت، بينما كانت التكبيرات تصدح وأزير الرصاص يدوي.

يختصر الأب الحكاية قائلا عن الشهيد "طلبته القدس فلبى من دون تردد، فمن يكمل المشوار ويواصل التلبية؟".

المصدر : الجزيرة