"دبلوماسية الرز".. السيسي يغرد مجددا خارج السرب السعودي

العلاقات الإستراتيجية بين الرياض والقاهرة استمرت رغم التباين في ملفات رئيسية (الأوروبية)
العلاقات الإستراتيجية بين الرياض والقاهرة استمرت رغم التباين في ملفات رئيسية (الأوروبية)
محمد النجار

مرة أخرى، يختار الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي التغريد خارج السرب السعودي فيما يتعلق بالأزمات في المنطقة والتي تكون الرياض جزءا أساسيا منها، ورغم أن لا أحد يتوقع تغيرا في العلاقة الإستراتيجية بين الرياض والقاهرة، فإن مراقبين يرون التباين في ملفات رئيسية يرسل رسائل قلقة من الشقيقة الكبرى للمملكة.
والتساؤل الذي يطرحه مراقبون يتمحور حول ما إذا كان السيسي يعبر عن مصالح حقيقية للقاهرة لا تلتقي مع السياسات السعودية، أم أنه يعبر عن بورصة ما باتت تعرف بـ"دبلوماسية الرز"، التي ترتبط بمواقف القاهرة انسجاما أو انسحابا من معارك حلفائه في الخليج.
ففي مقابلة مع قناة "سي أن بي سي" الأميركية قال السيسي "إن مصر لا تفكر في اتخاذ أي إجراءات ضد حزب الله"، على الرغم من دعوة السعودية إلى فرض عقوبات عليه.

وبلهجة مختلفة تماما عن لغة التصعيد السعودية تجاه لبنان وحزب الله، قال السيسي أيضا في مقابلة مع صحيفة الشرق الأوسط السعودية نشرت أمس الثلاثاء إن "لبنان بطبيعته دولة متعددة ومتنوعة التركيبة، والتوازن في لبنان شرط من شروط الاستقرار، ولا بد من الحفاظ على هذا التوازن ودون أي تدخل خارجي". 


واللافت أن السيسي اختار في حديثه للصحيفة السعودية امتداح انفتاح الرياض على بغداد، لكنه تجنب تأييد سياستها تجاه لبنان، بل دعا لعدم التدخل الخارجي في شؤونه، في لهجة كان قد أكد عليها بوضوح في حديثه للقناة الأميركية عندما أكد أن بلاده لن تتخذ إجراءات ضد حزب الله اللبناني.

كما أن السيسي تمنى عبر الشرق الأوسط ألا تندلع حرب جديدة في المنطقة، التي قال إنه يكفيها "ما تعيشه من اهتزاز واضطراب"، وذلك ردا على سؤال عن احتمالات شن إسرائيل حربا على حزب الله والمليشيات الإيرانية في الجولان.  
السيسي تجنب انتقاد إيران في أوج تصعيد السعودية معها (وكالة الأنباء الأوروبية)
مصر وإيران
كما لفت أنظار المراقبين تجنب السيسي توجيه أي انتقادات إلى إيران، التي تعيش حليفته السعودية على وقع تصعيد غير مسبوق معها، يكاد ينتقل من الحروب بالوكالة في اليمن ولبنان وسوريا إلى مواجهة مباشرة في ضوء التصريحات التي نقلت عن ولي العهد محمد بن سلمان، الذي قال في اتصال مع وزير الدفاع البريطاني بوريس جونسون إن تزويد إيران للحوثيين بصواريخ بالستية يعتبر من أعمال الحرب.

وقرأ مراقبون في تصريحات السيسي التي أكد عليها في مقابلتين صحفيتين، وقبلها في رسائله التي أرسلها مع رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري الذي استقبله السيسي الأحد الماضي في شرم الشيخ، وفي اتصال مع الرئيس ميشال عون، بدعوته للحوار والهدوء بأنها بمثابة رد على الدعوة السعودية لاتخاذ إجراءات وعقوبات ضد حزب الله.

وكان وزير الدولة السعودي لشؤون الخليج العربي ثامر السبهان قال إن السعودية ستعامل حكومة لبنان "كحكومة إعلان حرب بسبب حزب الله".

وأضاف أنه تم إبلاغ رئيس الوزراء اللبناني (المستقيل) سعد الحريري أن "أعمال العدوان التي يقوم بها حزب الله تعتبر إعلان حرب على المملكة العربية السعودية من قبل لبنان ومن قبل حزب الشيطان اللبناني".

كما سبق للرئيس الأميركي دونالد ترمب القول إن حزب الله يشكل خطرا على لبنان وعلى منطقة الشرق الأوسط برمتها، وأصدر الكونغرس الأميركي قانون عقوبات جديدة ضد الحزب.

مراقبون يربطون بين خروج السيسي عن سرب السعودية وبين حاجته للدعم المادي منها (وكالة الأنباء الأوروبية)
موقف مؤلم
لكن محللين ومراقبين يرون أن تغريد السيسي خارج السرب السعودي ليس جديدا، فمصر عبرت في غير مرة عن موقف مغاير تماما للموقف السعودي في سوريا.

فقد عبر السيسي أكثر من مرة عن مواقف تؤيد بقاء نظام بشار الأسد ورفضه أي مساس بالجيش السوري، كما كشفت المعارضة السورية التي تدعمها السعودية سياسيا وعسكريا في مرات عدة أن القاهرة تزوّد نظام الأسد بالسلاح الذي يقتل الشعب السوري.


والشواهد على التباين المصري السعودي في سوريا كثيرة، ومنها تصريح السيسي قبل عامين تقريبا لمذيع قناة "سي أن أن" وولف بليتزر بشكل واضح بأن سقوط نظام بشار الأسد يعني انهيار جيشه ووقوع عتاده العسكري في يد "الإرهابيين"، مما يشكّل تهديدا للبنان والأردن و"إسرائيل".
وكذلك تصويت مصر في أكثر من مناسبة على قرارات تتعلق بسوريا بما يتناقض تماما مع السياسات السعودية التي كانت تحشد للتصويت مع أو ضد مشاريع قرارات، لتتفاجأ بتصويت القاهرة بعكس ذلك تماما.
والإشارة المهمة هنا هي للحادثة الشهيرة حيث صوّت المندوب المصري لصالح مشروع القرار الروسي بشأن سوريا في أكتوبر/تشرين الأول 2016، والتي خرج بعدها مندوب السعودية في الأمم المتحدة عبد المعلمي لينتقد الموقف المصري علنا وبشكل غير مسبوق.

ووصف المعلمي تصويت مندوب مصر في مجلس الأمن لصالح تأييد مشروع القرار الروسي بشأن سوريا بـ"المؤلم"، وقال وقتها "الموقف السنغالي والماليزي أقرب إلى الموقف التوافقي العربي من موقف المندوب العربي، هذا بطبيعة الحال كان مؤلما، لكن أعتقد أن السؤال يوجه إلى مندوب مصر".
وما يثير حيرة المراقبين أن هذه المواقف المصرية تظهر في ملفات رئيسية بالنسبة للسعودية، وغالبيتها تتعلق بإيران التي تعتبرها الرياض بسياساتها وتوجهاتها الحالية عدوها الإستراتيجي الأول.
ويذهب آخرون لاعتبار أن مواقف السيسي لا تنبع من رغبة في التناقض مع السياسات السعودية، بقدر تعبيرها عن مدى الدعم المادي الذي تنتظره القاهرة من الرياض.
فهناك من يتحدث أن السعودية اعتذرت مؤخرا عن تلبية طلبات مساعدات تقدمت بها مصر بحجة وضعها المالي حاليا، وهو ما يدفع للتساؤل عن ديمومة "دبلوماسية الرز" في علاقة السيسي بحلفائه في الخليج.
المصدر : الجزيرة + وكالات,مواقع التواصل الاجتماعي,الصحافة المصرية,الصحافة السعودية