عـاجـل: حسن نصر الله مخاطبا الجيش الإسرائيلي: انتظرونا ليس فقط عند الحدود وما حدث ليلة أمس لن يمر

محمود.. عندما تتحول الإعاقة إلى طاقة

محمود طوطح يتحدى إعاقته ويكسب قوته من عريق جبينه (الجزيرة)
محمود طوطح يتحدى إعاقته ويكسب قوته من عريق جبينه (الجزيرة)
محمد عمران-غزة

بيديه الاثنتين وبقدم واحدة يحمل محمود طوطح بعض السلع والبضائع، ليضعها على دراجته النارية ذات العجلات الثلاث (توك توك) لنقلها لأحد الزبائن بمدينة غزة.

كعادته، رفض محمود -الذي بترت قدمه اليمنى جراء إصابته في الحرب على غزة عام 2008- أي مساعدة من بعض المارة، الذين وقفوا مشدوهين وهو يحمل أكياس الدقيق، ووزنها 25 كيلوغراما، وصناديق المشروبات الغازية، حتى باغتتهم ابتسامته العريضة، كأنه يقول لهم إن ما تشاهدونه برنامج يومي لعمله منذ سنوات.

عزيمة وإصرار
ينطلق محمود، المكنى بأبي البراء، من المتجر الذي ينقل منه البضائع على متن "توك توك" إلى الوجهة التي طلبها صاحب البضاعة، ويلتزم طوال الطريق بإشارات المرور على غير عادة سائقي الدرجات النارية الأخرى، مما جعله محط احترام وتقدير عناصر شرطة المرور الذين يبادلونه التحية وكلمات الإطراء.

محمود ينقل البضائع "بالتوك توك" ويرفض المساعدة (الجزيرة)

وتلاحق الشاب نظرات الإعجاب ذاتها بمجرد وصوله لوجهته؛ فمشغّله الذي طلب خدمة النقل عبر الهاتف لم يره من قبل، وبمجرد الوصول إليه عبّر عن سعادته لقدرة محمود على قهر إعاقته، وممارسة مهنة شاقة لا يقوى عليها كثير من الأسوياء لأجل توفير لقمة عيش لعائلته، في زمن ركن فيه الشباب إلى البطالة.

لم ينل أبو البراء هذا الإطراء إلا بعد إصراره على تحويل الانتكاسات إلى نجاحات، فكلمات التهكم وضحكات الاستهزاء التي اخترقت أذنيه كالرصاص من أحد الزبائن في أول أيامه للعمل على "التوك توك" بمجرد مشاهدة قدمه المبتورة، كانت بمثابة وقود حرّك قدراته الكامنة ليجعل من الإعاقة طاقة لا تكل ولا تمل من العمل.

ويقول زكي طوطح والد محمود للجزيرة نت إن النجاح يكمن في رفض الاستسلام للواقع الصعب، وقبول التحدي للنهاية دون إعارة المثبطين والمحبطين أي اهتمام، لأن الإعاقة بالعقول وليست في الأجساد.

مهارات رياضية وفنية
وبالإضافة إلى نحت محمود الصخر لمجابهة صعوبات الحياة في عمله الذي بالكاد يعيش منه، يقضي جزءاً آخر من أوقاته في ممارسة رياضة الكراسي المتحركة للمعاقين، وهي اللعبة التي أظهر فيها مهاراته ضمن فريق يشارك بانتظام في البطولات الرسمية ذات العلاقة.

محمود طوطح يمارس رياضته المفضلة بعد الانتهاء من عمله (الجزيرة)

ولا تتغير سمات الإصرار لديه في ساحة الملعب، وهو يقفز بكرسيه المتحرك مصوبا بنجاح الكرة إلى السلة لمرات عديدة، بينما يضج المكان بالتصفيق والتصفير لتتشكل لوحة متكاملة تجمع بين إبداع اللاعبين وحماسة المشجعين.

وبينما يطمح محمود إلى تطوير مهاراته الرياضية حتى يتأهل للمشاركة من جديد بتمثيل فلسطين في بطولات خارجية على غرار مشاركته بالأردن قبل سنوات، يؤكد للجزيرة نت أن ذوي الاحتياجات الخاصة لا يلزمهم سوى قرار بتجاوز معوقات المجتمع، معتبرا أنه لا توجد إعاقة وإنما يوجد مجتمع معيق.

وإلى جانب العمل والرياضة، يبدع محمود في فن الرسم والنحت على رمال البحر، حيث شكل أكبر منحوتة له بيوم الأسير الفلسطيني، لكن الوقت الطويل والمشقة الكبيرة التي يتكبدها في ممارسة هذه الهواية تجعله مقلا في أعدادها لتقتصر على المناسبات الوطنية.

زوجة فخورة
ويعمد الشاب إلى رسم وكتابة المنحوتات على الورق إلى حين تفرغه لتنفيذها على الشاطئ، وذلك حتى لا يغيب عن فنه كثيرا، ويتفرغ لقضاء أوقات كافية مع أبنائه الثلاثة (براء وبكر ولانا) وزوجته التي ترى فيه نموذجا يحتذى به لكل من جابه الحياة بإرادة صلبة، كما قالت للجزيرة نت.

محمود طوطح مع أبنائه بغزة (الجزيرة)

رغم تحمله مشاق الوصول لمنزله بالطابق الثالث متكئا على عكازيه، يحرص محمود على مساعدة زوجته في شؤونها المنزلية، خاصة وهي في شهورها الأولى لحملها الرابع.

وتقول الزوجة إن التخوفات التي صاحبت موافقتها على الزواج منه قبل ثمانية أعوام تبددت منذ الفترة الأولى للزواج، بل إنها تشعر بالاعتزاز بنجاح زوجها في كافة شؤون حياته، بدءا من عمله ومرورا بهواياته الرياضية والفنية، وانتهاء بعلاقاته الأسرية التي تسودها أجواء المحبة والسعادة.

المصدر : الجزيرة