موسم الزيتون بتونس.. ثروة تخفي شقاء العاملات

خميس بن بريك-تونس

إثر رحلة شاقة ومحفوفة بالمخاطر على متن شاحنة صغيرة أقلتهم من ريف مجاور، تصل عاملات إلى إحدى حقول الزيتون بمدينة قرمبالية الواقعة بمحافظة نابل شمال شرقي تونس، لبدء عمل يوم جديد في جني الزيتون الذي يخفي معاناة نساء دفعهن الفقر إلى هذا العمل.

قرب حقل الزيتون خيم هدوء ساكن داعبته زقزقة العصافير بعدما توقف ضجيج محرك العربة. تقفز العاملات الواحدة تلو الأخرى فوق الأرض بثبات متمسكات بإحدى جوانب الشاحنة خشية الوقوع، ثم يتجهن ببطء للحقل جارّات أحذيتهن السوداء الثقيلة، فيما يتبع أثرهن سرب من فراخ الدجاج الأبيض.

توقيا من لسعات برد الصباح مع بزوغ خيوط الشمس الأولى، توقد العاملة بديعة النار لإعداد الشاي الأسود الثقيل المخلوط بالزعتر والإكليل، فيما تجلس رفيقاتها على أكياس بلاستيكية صفراء مخصصة لجمع الزيتون، ثم يشربن أكوابا من الشاي الساخن تدفئ أياديهن وهن يتجاذبن أطراف الحديث قبل انطلاق العمل.

ظروف قاسية
وضمن هؤلاء العاملات تجلس آمنة شاردة البال، لقد تجاوز عمرها سبعين عاما، ولكن بدلا من أن تنعم بالراحة يدفعها الفقر والحاجة للاستيقاظ باكرا كل فجر مع نساء من قريتها في منطقة عين طبرنق بريف مدينة قرمبالية التابعة لمحافظة نابل شمالي تونس، للذهاب إلى مزارع الزيتون في جو بارد وظلام دامس على متن شاحنة غير مهيأة لنقل العمال.

بديعة تعمل في جني الزيتون لإعانة عائلتها الفقيرة (الجزيرة)

وتقول آمنة للجزيرة نت إنها تكفلت بتربية سبعة أيتام بعد وفاة زوجها، ومع أنها سعدت بزواج خمس من بناتها، فإن معاناتها ظلت مستمرة لتحملها أعباء ابنتها العاطلة عن العمل وابنها المتزوج المصاب بمرض في عينيه جعله طريح الفراش في منزلها، وأجبرها على العمل للإنفاق على علاجه وإطعام زوجته وأطفاله.

تجني آمنة مثل غيرها من العاملات 15 دينارا في اليوم (6 دولارات) مقابل ثماني ساعات عمل في جني الزيتون، لكن تلك الأجرة لا تكفيها لضمان عيش كريم، فتقول بغصة "منذ أكثر من أسبوعين لم أشتر لحما ولا خضرا بسبب الغلاء.. لا أحد من المسؤولين يهتم بظروفنا بالرغم من أنهم يأكلون من ظهورنا".

عمل شاق
وهذا الوضع ليس خاصا بآمنة فقط، فنعيمة التي تجاوزت عقدها السابع بسنوات بدت ملامح وجهها شاحبة ومنهكة بسبب قسوة الظروف وطبيعة عمل جني الزيتون الشاقة والمضنية. وتعمل هذه المرأة الكادحة منذ بدء موسم جني الزيتون مطلع الشهر الجاري بهدف إعانة زوجها المصاب بمرض الربو وابنها العاطل عن العمل.

وبينما تصعد بعض العاملات فوق السلم إلى أعلى الشجرة لقطف حبات الزيتون الخضراء والسوداء بقفازاتهن وأمشاطهن، لا تقوى نعيمة إلا على جني ثمار الزيتون القريبة منها أو جمع الحبات المتساقطة فوق بساط أخضر يوضع تحت الشجرة لتجميع الحبات قبل إفراغها في صناديق بلاستيكية.

عاملات بأحد حقول الزيتون يجمعن حباته خلال عملية التجميع (الجزيرة)

تقول نعيمة للجزيرة نت إن رفيقاتها يشجعنها على العمل ويتحملن معها أعباءه، لكن الوضع يزداد قساوة مع تهاطل الأمطار ونزول درجات الحرارة، فلا تشفع لهن مآزرهن ولا أحذيتهن الطويلة ولا مظلاتهن المصنوعة من السعف في شيء.

تتقاضى نعيمة مثل بقية العاملات مكافأة العمل نهاية كل أسبوع (حوالي 42 دولارا)، لكن سعادة تلك اللحظة سرعان ما تتلاشى في مواجهة الغلاء الذي شمل جلّ المنتجات، ولا سيما زيت الزيتون مع أن تونس تعتبر من أكبر الدول المصدرة له.

ومع حلول المغيب وانقضاء نهار شاق من العمل بحقل الزيتون وإرسال أكياسه لإحدى المعاصر المجاورة، تعود العاملات منهكات إلى ديارهن على متن الشاحنة الصغيرة المتهالكة، بينما يزداد توجسهن كل يوم من مخاطر الطريق، خصوصا أن العديد من الحوادث القاتلة عصفت سابقا بحياة عاملات أخريات.

المصدر : الجزيرة