شفيق والإمارات.. وثالثهما السيسي

شفيق قال إنه فوجئ بقرار منعه من السفر لأسباب لا يعلمها ولا يتفهمها (رويترز)
شفيق قال إنه فوجئ بقرار منعه من السفر لأسباب لا يعلمها ولا يتفهمها (رويترز)

وفي مقطع مصور بثته الجزيرة قال شفيق إنه فوجئ بقرار منعه من السفر لأسباب لا يعلمها ولا يتفهمها. وأضاف أنه رغم تقديره للاستضافة الكريمة من قبل سلطات الإمارات إلا أنه يرفض التدخل في شؤون بلده وإعاقة مشاركته في ممارسة دستورية، في حين أوضحت محاميته دينا عدلي حسين أن "شفيق ممنوع من مغادرة منزله منذ فجر الجمعة، وممنوع دخول أي شخص إلى منزله إلا بتعليمات".

ولم يتأخر الرد الاماراتي على كلام شفيق، فقد أعلن وزير الدولة للشؤون الخارجية أنور قرقاش في تغريدة "تأسف دولة الإمارات أن يرد الفريق أحمد شفيق الجميل بالنكران، فقد لجأ الى الإمارات هاربا من مصر إثر إعلان نتائج الانتخابات الرئاسية عام 2012". وأضاف إن الإمارات تؤكد أنه لا يوجد أي عائق لمغادرة الفريق أحمد شفيق أراضيها.

وبدت أبو ظبي -إن صح منعها لشفيق من السفر- تكرر ما فعلته حليفتها الرياض قبل أسابيع قليلة حين دفعت رئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري إلى الاستقالة ومنعته من المغادرة قبل أن تحل الأزمة لاحقا بتدخل فرنسي.

وتعليقا على هذا التطور، قال زعيم حزب غد الثورة المصري أيمن نور للجزيرة إن منع الفريق أحمد شفيق من السفر يعد تدخلا في الشأن المصري الذي بدأ من بعد الثورة المصرية مباشرة مرورا بالانقلاب.

واعتبر نور هذا الإجراء "بلطجة" سياسية تذكر بما حدث لرئيس الحكومة اللبنانية سعد الحريري "مع فارق مهم أن الحريري يحمل جنسيه سعودية والفريق شفيق لا يحمل جنسية الإمارات".

أما الكاتب الصحفي وائل قنديل فكتب ساخرا "أنا خايف على المكون السني في مصر في ظل احتجاز الأستاذ شفيق الحريري في الإمارات"، في حين دعا الكاتب الصحفي سليم عزوز المصريين إلى الاحتجاج أمام سفارة الإمارات في القاهرة، مشددا على أن أحمد شفيق هو الوحيد القادر على إسقاط السيسي، واحتجازه في الإمارات يشبه ما جرى مع الحريري.

من جهته، قال مجدي حمدان نائب رئيس حزب الجبهة الديمقراطية المصري للجزيرة إن "المصريين في حالة احتقان" بسبب منع شفيق من السفر، وإن "الأمر لن يمر مرور الكرام، خاصة أن المؤسسة العسكرية المصرية ترى أحمد شفيق أحد رجالاتها".

أما رئيس تحرير صحيفة المشهد مجدي شندي فقد وصف احتجاز أحمد شفيق من قبل الإمارات بأنه حادثة غير مسبوقة في التاريخ المصري، ورأى أن الفريق شفيق رجل دولة وليس مجرد معارض يمكن أن يتخذ ضده إجراء مماثل.

وعلى ذات النسق، قال المحلل السياسي الموريتاني محمد مختار الشنقيطي "يبدو أن شفيق هو حريري الإمارات.. البلطجة الدبلوماسية مستمرة". وأضاف "منع الإمارات أحمد شفيق من السفر بعد إعلان ترشحه للرئاسة في مصر يدل على تراجع فظيع في مكانة مصر، وتحولها إلى حديقة خلفية لألاعيب سفهاء أبو ظبي".

أما الإعلامي جمال ريان فتساءل "مرة الحريري ومرة شفيق.. هل أصبحت السعودية والإمارات الداخل إليهما مفقود والخارج منهما مولود؟".

ابحث عن السيسي
لكن اللافت في قضية منع شفيق من السفر بروز اسم الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي كسبب رئيس وراء قرار السلطات الإماراتية، فالتحالف الكبير بين السيسي وأبو ظبي منذ وصوله لسدة الحكم في مصر في أعقاب الانقلاب العسكري عام 2013، والتوافق شبه التام في المواقف بين القاهرة وأبو ظبي ربما حدا بالإمارات لمنع شفيق من العودة لمصر حتى لا يشكل تهديدا حقيقيا للسيسي.

وفي هذا، قال مجدي حمدان نائب رئيس حزب الجبهة الديمقراطية إن الإمارات حريصة على بقاء النظام الحالي في مصر لأطول فترة ممكنة حتى تضمن تحقيق أطماعها في البلاد، حسب تعبيره.

وعلق رئيس تحرير صحيفة "المصريون" جمال سلطان على ترشح شفيق بالقول "من الواضح أن إعلان الفريق أحمد شفيق ترشحه للرئاسة سبب صدمة وإرباكا في دوائر عليا".

وفور إعلان شفيق ترشحه، ثم إعلان الإمارات منعه من السفر بدأت الآلة الإعلامية المصرية -وهي التي سبق للسيسي نفسه أن سماها "الأذرع الإعلامية"- هجوما عنيفا عليه.

وفي وقت سابق الشهر الجاري نفى حزب الحركة الوطنية المصرية -الذي يترأسه شفيق- ما تردد عن وجود عرض إماراتي بعودته إلى القاهرة مقابل عدم ترشحه للرئاسة العام المقبل في مواجهة السيسي.

تهديد جدي

وبالعودة إلى انتخابات عام 2012 -التي توصف بالانتخابات الديمقراطية الوحيدة في تاريخ مصر- فقد حل شفيق بالمركز الثاني فيها وبفارق ليس كبيرا عن الرئيس المنتخب آنذاك محمد مرسي بعد أن حصل على أصوات أكثر من 12 مليون مصري رغم حداثة عهد المصريين وقتها بثورة أطاحت بنظام مبارك ورئيس وزرائه آنذاك أحمد شفيق.

هذه الملايين من الأصوات في انتخابات نزيهة شهدت ترشح 13 مرشحا من مختلف الطيف السياسي المصري تثبت أن لشفيق قاعدة جماهيرية عريضة ربما لا تتوفر للسيسي في الوقت الحالي على الأقل.

كما أن قدوم شفيق من "دولاب الدولة المصرية" أو ما اصطلح على تسميتها "الدولة العميقة" -خصوصا وقد شغل منصب وزير الطيران المدني عشر سنوات ثم رئيسا للحكومة لفترة وجيزة- يجعل له أفضلية على السيسي الذي لم يمتلك أبدا أي خبرات خارج المؤسسة العسكرية.

وعلى ذكر المؤسسة العسكرية فإن ترشح شفيق يسحب البساط من خصيصة للسيسي يعتبرها بعض أنصاره ميزة، وهي أنه قادم من مؤسسة الجيش بما يعرف عنها من انضباط.

وكان ملاحظا أن شفيق تحدث في فيديو إعلان ترشحه عن "خبرته الطويلة في القوات المسلحة" و"النجاح الذي شهد به الجميع" أثناء توليه وزارة الطيران المدني.

كما أسهب في الحديث عن الديمقراطية واحترام حقوق الإنسان، وقال "إن الديمقراطية الحقة والحقوق الإنسانية الطبيعية ليست بمنحة من أحد، كما أنها لا تمنح أو تطبق تدريجيا إطلاقا".

وأضاف أن "أي نجاح مأمول صغر أم كبر لن يتحقق في بلادنا ما لم نحظ بنظام للحكم، مدني.. ديمقراطي.. نموذجي ومستقر قابل للمراجعة والنقد".

ويرى سياسيون ومحللون في ترشح شفيق للانتخابات الرئاسية حلحلة لحالة الانسداد السياسي في مصر منذ الانقلاب العسكري، مما يسمح بمصالحة مجتمعية تنهي حالة الانقسام وتطلق المعتقلين.

وقال الباحث في جامعة برلين الحرة أحمد بدوي إن ترشح شفيق سيخلق ديناميكية جديدة في الحياة السياسية المصرية وسيجبر أجهزة الدولة التي تشرف على الانتخابات على أن تقف على الحياد.

وهذا ما دفع محمد المختار الشنقيطي إلى تشبيه شفيق بالرئيس التركي السابق تورغوت أوزال قائلا "مصر اليوم تحتاج إلى تورغوت أوزال المصري (شفيق) يقربها من المصالحة مع ذاتها، وهي ليست ناضجة حتى الآن لأربكان المصري (أبو الفتوح) أو أردوغان المصري (مرسي)، أما استمرار كنعان أفرن المصري (السيسي) في السلطة فهو كارثة على مصر وعلى المنطقة".

كذلك فإن شفيق ربما يمثل مرشحا مثاليا لكثير من المصريين الذين يرون أن معاناتهم الاجتماعية والاقتصادية زادت منذ اعتلاء السيسي سدة الحكم، وهو ما جعل شفيق يخطب ود هؤلاء بقوله في خطاب إعلان ترشحه "تمر بالبلاد حاليا الكثير من المشكلات التي شملت جميع مناحي الحياة وأدت إلى انهيار أو تردي مستوى كافة الخدمات المؤداة للمواطنين".

وماذا بعد؟
ويبقى السؤال: حتى متى ستظل أبو ظبي "متحفظة" على "منافس" السيسي وخصمه اللدود بعد أن بادر شفيق بإعلان خبر منعه من السفر؟

تقول المؤشرات إن الأمر لن يطول، وإن أبو ظبي ستجد نفسها مضطرة "لإطلاق سراح شفيق" كما اضطرت جارتها السعودية للأمر نفسه مع الحريري، فشفيق -الذي حوكم بتهم فساد في مصر في أعقاب ثورة يناير- ليس هناك ما يدينه في الإمارات، كما أنه لم يمارس السياسة من أراضيها، وهو ما يضعف أي حجة لاحتجازه، فضلا عن نفي وزير الشؤون الخارجية أنور قرقاش السريع للأمر.

لكن معضلة شفيق الكبرى لن تكون في "احتجازه" بالإمارات، بل في حال وصوله مصر، فنظام السيسي سيقف أمام ترشحه بشتى السبل، وهو ما بدأ سريعا عبر "أذرعه الإعلامية"، وربما يمتد الأمر لاحقا إلى "الأذرع القضائية والشرطية"، لكن شفيق بدا مستعدا لذلك بإعلانه "أتعهد لأبناء وطني بألا أتراجع إطلاقا عن واجبي متقبلا في سبيل ذلك أي متاعب".

المصدر : الجزيرة