القمة الخليجية.. انفراج أم تصعيد؟

تغيرت التحديات والأولويات بعد آخر قمة خليجية في المنامة قبل نحو عام (الجزيرة)
تغيرت التحديات والأولويات بعد آخر قمة خليجية في المنامة قبل نحو عام (الجزيرة)
أمين محمد حبلا
 
تتجه الأنظار نحو دولة الكويت ترقبا لعقد قمة خليجية كثر الحديث عنها وتباينت التوقعات بشأنها تفاؤلا وتشاؤما، في ظل معطيات ومؤشرات متضاربة تصدر من بعض أطراف الأزمة الخليجية.

ورغم أنه لم تصدر تأكيدات رسمية من أي دولة خليجية بشأن تأكيد انعقاد أو تأجيل القمة، فإن المؤشرات تؤكد أن انعقادها بات في حكم الممكن في يومي الخامس والسادس من الشهر القادم، بعد أن تلقت الكويت إشارات إيجابية من الرياض بأن السعودية لا تمانع في عقد القمة.

مؤشرات
وفي ما يبدو انعكاسا للإشارات "الإيجابية" التي ترددت في أجواء المنطقة خلال الأيام الأخيرة، بادرت الكويت إلى مباشرة الإجراءات المحضرة للقمة؛ حيث بدأت توزيع دعوات الحضور على قادة الخليج، وأعلنت اكتمال الاستعدادات اللوجستية لعقد القمة.

ويشير مدير مكتب الجزيرة بالكويت سعد السعيدي في حديث مع الجزيرة نت إلى أن كل المؤشرات تشير إلى أن القمة الخليجية الـ38 ستعقد في الخامس والسادس من ديسمبر/كانون الأول المقبل بحضور جميع دول الخليج، وأن الكويت تلقت تأكيدات من الرياض بأنها حريصة على منظومة مجلس التعاون ومنفتحة على محاولة حلحلة الأزمة الخليجية.

ولكن تلك المؤشرات "الإيجابية"، بما فيها "انفتاح الرياض على محاولة حلحلة الأزمة"، تتناقض مع حملات الشحن الإعلامية التي تخرق القيم الإعلامية وتتجاوزها إلى اعتماد السب والتشهير وقلب الحقائق، وحتى التحريض على العنف وعلى أمن الدول الأخرى، كمعيار أساسي في التعاطي مع "الجار ذي القربى".

وقبل أيام فقط، دعا ضاحي خلفان دول الحصار إلى قصف شبكة الجزيرة، وقبله وبعده ما فتئت اللجان الإلكترونية تسعى لإثارة الفوضى وضرب النسيج الاجتماعي والقبلي، وزعزعة الاستقرار في قطر، حيث حرضت مرارا وتكرارا على التظاهر وقلب النظام في قطر.

ضغوط وأزمات
ومع أنه ليس معروفا حتى الآن طبيعة الأسباب التي دفعت نحو "الانفراج المحتمل" في جدار الأزمة الخليجية التي استعصى على الاختراق خلال الشهور الماضية؛ ولكن الواضح أن الضغوط الخارجية والظروف الداخلية والأزمات الإقليمية والامتعاض الشعبي، فضلا عن جهود الوساطة الكويتية؛ تسهم كلها في دفع أطراف الأزمة نحو الجلوس إلى طاولة الحوار وإنهاء حالة الفرقة والقطيعة.

فقد اندلعت أزمة الخليج في ظل تفاقم الأزمة اليمنية وتحولها إلى "كابوس" سعودي إماراتي بحكم الفشل في حسمها عسكريا، وتضخم كلفتها العسكرية والأمنية، وتفاقم تبعاتها الإنسانية، وهو ما من شأنه أن يدفع الأوضاع في اليمن وفي المنطقة عموما إلى سيناريوهات غير متوقعة ويزيد من الضغوط الدولية على السعودية لوقف الحرب وإنهاء مأساة اليمن.

وفي غمرة ذلك، صعدت السعودية تهديداتها لإيران وحزب الله، و"أرغمت" رئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري على الاستقالة من منصبه -حسب مصادر متعددة- وفرضت عليه إقامة جبرية بالرياض لنحو أسبوعين، وفقا للمصادر ذاتها، قبل أن تسمح له بالمغادرة لباريس ومنها إلى لبنان، وهي خطوة جلبت لها ضغوطا إقليمية ودولية كثيرة.

وجاءت تلك الخطوة بالتزامن من حملة اعتقالات وإقالات داخلية غير مسبوقة شملت عشرات الأمراء ورجال الأعمال والمسؤولين الحاليين والسابقين بتهم تتعلق بالفساد وسوء التصريف ونهب ثروات البلاد.

وبينما تمكنت قطر -حسب تأكيدات مسؤوليها- من مواجهة تداعيات الحصار، ونوعت مصادرها، وعززت تحالفاتها الخارجية سياسيا وعسكريا واقتصاديا؛ بدأت الصحف الأميركية والعالمية تضج بالحديث عن المخاوف الغربية من تداعيات السياسات السعودية الجديدة في الداخل والخارج، ومما وصفوه بتهور سياسات ولي العهد السعودي محمد بن سلمان.

فقبل أيام، قالت نيويورك تايمز إن مسؤولي الخارجية والدفاع والاستخبارات في الولايات المتحدة أبدوا انزعاجا مما وُصف بتهور ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، وعبروا عن خشيتهم من أن تزعزع تصرفاته الوضع في المنطقة وتضر بمصالح بلادهم.

ونقلت الصحيفة عن مصادر أميركية أن هؤلاء المسؤولين يشعرون بالانزعاج من تصرفات الأمير السعودي على الصعيدين الداخلي والإقليمي، رغم الحماس الذي أبداه الرئيس دونالد ترمب تجاه ابن سلمان، حيث كان أيد حملة الاعتقالات التي شملت 11 أميرا وعشرات الوزراء الحاليين والسابقين ونحو مئتين من رجال المال والأعمال.

من جهتها، وصفت صحيفة واشنطن بوست الإجراءات التي يقوم بها ولي العهد السعودي "بالجريئة والمتهورة أحيانا"، وقالت إن الحرب التي شنها الأمير الشاب في اليمن عام 2015 أضحت "ورطة" تسببت ربما في أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم، كما أن "المقاطعة" التي تقودها السعودية ضد قطر أحدثت "صدعا" وسط دول الخليج السنية لصالح إيران، ووصلت إلى طريق مسدود.

ووصف تقرير نشرته وكالة أسوشيتد برس وزير الدولة السعودي لشؤون الخليج العربي ثامر السبهان بأنه أكثر مستشاري ولي العهد السعودي محمد بن سلمان استفزازا، وأوردت الوكالة أن السبهان سافر إلى واشنطن عقب استقالة الحريري والتقى مسؤولين من الخارجية والبنتاغون ومجلس الأمن القومي في البيت الأبيض.

وقالت إنه بدلا من أن يتلقى السبهان من المسؤولين الأميركيين دعمهم لاستقالة الحريري، فإنه تلقى توبيخا منهم، وأن المسؤولين الأميركيين سألوا السبهان عمن أعطاه حق تقويض استقرار لبنان بينما تدعم واشنطن القوات المسلحة اللبنانية. وقالت الوكالة إن الأميركيين طلبوا من السبهان أن يتوقف عن تغريداته الاستفزازية، على حد قول الوكالة.

ويعني ذلك -وفق مراقبين- أن القوى الغربية بدأت تضيق ذرعا بسياسات دول الحصار، وما نتج عنها من تداعيات واصطفافات غير مرغوبة غربيا.

أفق الحل
منذ اندلاع الأزمة الخليجية قبل أكثر من ستة أشهر لم ينعقد أي لقاء بين أطراف الأزمة الخليجية؛ وهو ما يعني أن قمة الكويت -إن انعقدت فعلا- ستمثل أول تواصل مباشر بين المسؤولين الخليجيين وجها لوجه في اجتماع خليجي بحت.

ويعتقد مدير مكتب الجزيرة في الكويت سعد السعيدي أن لقاء القمة يمثل -في حد ذاته- مكسبا خليجيا مهما، وفرصة لكسر الجمود وإذابة الجليد بين القادة الخليجيين، ولكنه يشير إلى أن مستوى تمثيل الدول لم يتضح حتى الآن، هل سيكون على مستوى القادة أم دون ذلك.

كما أنه -بحسب السعيدي- لم تتسرب حتى الآن أي معلومات بشأن جدول أعمال القمة وطبيعة القضايا المدرجة عليها، في ظل حديث عن احتمال تأجيل نقاش الأزمة الخليجية والاكتفاء فقط بقمة تحقق هدف الانعقاد دون أن تحرز تقدما في تجاوز الأزمة الأخطر في تاريخ المجلس.

ولكن أستاذ علم الاجتماع السياسي بجامعة قطر ماجد الأنصاري يعتقد -في تحليل على شبكة مرسال قطر- أن هناك ثلاثة سيناريوهات بشأن تعاطي القمة مع الأزمة:

- انعقاد القمة وتحولها إلى مؤتمر تفاوضي لحل الأزمة الخليجية، وهذا -في نظره- مستبعد نظرا لمؤشرات كثيرة؛ منها التصعيد المقصود في الجهة الأخرى تجاه قطر، ومنها أن كل الإجراءات "الإيجابية" التي تتخذ هذه الأيام هي في حقيقتها مطالب أميركية، وكأن المقصود هو إجراء تقدم في الملفات التي تريدها واشنطن في ظل وجود تصعيد في الملفات الأخرى.

- أن تكون القمة فرصة لتصعيد الأزمة، وهذا وارد إذا حدث اشتباك في المواقف، أو أرادت دول الحصار استغلال بعض التصريحات القطرية خلال القمة لإثارة مزيد من التصعيد في إطار الأزمة.

- انعقاد القمة دون أن تضيف شيئا أو تغير في واقع الحال، بحيث تتحول -مثلما تحولت اجتماعات الجامعة العربية قبل ذلك- إلى مساحة للتصعيد الإعلامي، ومساحة لتثبيت الأزمة وتطبيعها، من خلال السماح بعقد القمة وبقاء المجلس كمنظومة مع استمرار الأزمة بأبعادها المختلفة.

المصدر : وكالات,الجزيرة