المشاؤون.. محتجون مغاربة يطلبون التنمية

أمين قطع مسافة تزيد على أربعمئة كيلومتر وهو يجر عربة يد حديدية تحمل أغراضه (الجزيرة)
أمين قطع مسافة تزيد على أربعمئة كيلومتر وهو يجر عربة يد حديدية تحمل أغراضه (الجزيرة)

سناء القويطي-الرباط

أمين غوادة فنان مسرحي شاب ترك سريره الدافئ لينطلق في رحلة احتجاجية مشيا على الأقدام استمرت عشرين يوما، من آزرو البلدة الساكنة في جبال الأطلس بدأ مغامرته وعيناه على خط الوصول في العاصمة الرباط.

قطع أمين مسافة تزيد على أربعمئة كيلومتر وهو يجر عربة يد حديدية تحمل أغراضه، في حين يضج عقله بهموم زملائه المسرحيين الشباب الذين يعانون بسبب بيروقراطية وزارات ومؤسسات عمومية تمنع أموالها عنهم.

"في هذا البلد تقبر الأحلام في مهدها، لم يبق لي سوى الاحتجاج بخطواتي نيابة عن كل زملائي" يشرح أمين للجزيرة نت أسباب خوضه هذه المغامرة.

خلال هذه الرحلة كان منظر أمين وهو يدفع عربته مثيرا لاستغراب وشكوك كل من يراه، لذلك أوقفته الشرطة ثلاث مرات للتأكد من هويته والاستفسار عن قصته.

مطالب المنسيين
لم يكن أمين غوادة المشاء الوحيد في طريق نيل المطالب بالاحتجاج على الأقدام، بل سبقه إلى هذا الطريق كثير من أهل الهامش، خرجوا بسحناتهم التي لفحتها أشعة الشمس يرغبون في أخذ حقوقهم غلابا بعدما سئموا وعودا تعطى فتنسى.

في الشهر الماضي خرج أزيد من أربعين شخصا من قرى جماعة بوتفردة بإقليم بني ملال (340 كيلومترا جنوب غرب الرباط) في مسيرة على الأقدام دامت ثلاثة أيام باتوا خلالها في العراء وتقاسموا زاد الطريق ليبلغوا والي الجهة حاجتهم الملحة إلى طريق تفك عزلتهم.

ومن قرية منسية تسمى ماكصت انطلقت مسيرة نسائية عبر مسالك جبلية وعرة في اتجاه مدينة القصيبة (230 كيلومترا جنوب غرب الرباط) للقاء المسؤولين والمطالبة بربط القرية بالماء والكهرباء وتعبيد الطريق، وبعد حوالي أربعين كيلومترا على الأقدام حققن غايتهن بعدما أنهكهن طول الطريق، ووجدن في تعاطف الساكنة الذين بادروا إلى استقبالهن بالطعام والماء بعض السلوى.

في هذه القرى وغيرها كان عناصر الأمن يتابعون المحتجين في مسيرهم الطويل مدعمين بسيارات إسعاف تتدخل عند الحاجة، إذ لم تخل من حالات إجهاد جسدي وإغماء في صفوف البعض بسبب الإعياء وصعوبة المسالك.

وعلى نفس الخطى، سار أهل قرى في أزيلال وتازة وتاونات وصفرو وبوعرفة وغيرها في مسيرات على الأقدام من أجل الماء والكهرباء والمدرسة والطريق والمستشفى.

استراحة قصيرة أثناء مسيرة جماعية مشيا على الأقدام (الجزيرة)

لفت الانتباه
يريد المشاؤون من خلال مسيراتهم الجماعية على الأقدام إحراج المسؤولين المحليين والضغط عليهم باللجوء إلى جهات أعلى لتقديم مطالبهم، فالمشي لأيام يطيل زمن الاحتجاج ويعطيه وقعا وزخما أقوى، يقول رئيس الجمعية المغربية لحقوق الإنسان أحمد الهايج.

وساهمت التغطية الإعلامية لهذا الشكل الاحتجاجي وتداولها عبر مواقع التواصل الاجتماعي والتفاعل معها في انتشاره، كما وضح رئيس اللجنة الجهوية لحقوق الإنسان (لجنة حكومية) ببني ملال خريبكة علال البصراوي للجزيرة نت.

فالمحتجون -حسب البصراوي- يفكرون في أشكال احتجاجية أكثر إثارة من أجل لفت الانتباه إلى مطالبهم الملحة.

هؤلاء المشاؤون ينحدرون في الأغلب من مناطق قروية ذات طبيعة جبلية، تحركهم مطالب اجتماعية، إذ لم تسجل أي مسيرة ذات مطالب سياسية وفق البصراوي.

 البصراوي: المحتجون يفكرون في أشكال احتجاجية أكثر إثارة من أجل لفت الانتباه إلى مطالبهم الملحة (الجزيرة)

ثقافة الاحتجاج
المشاؤون من أهل القرى ساروا في طريق الاحتجاج طلبا للتنمية التي لم تطرق أبوابهم رغم ما رصدته الأرقام الرسمية عن أوضاعهم، فـ85.4% من مجموع الفقراء بالمغرب البالغ عددهم 2.8 مليون يعيشون في الأرياف.

وأشار تقرير حديث للمجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي إلى ضعف مستوى التنمية البشرية في الوسط القروي حيث يعيش 13.5 مليونا واستمرار الفوارق الاجتماعية والتهميش والفقر في البوادي، ومن بين 33 ألف قرية أظهر التقرير أن 29 ألفا منها تعاني من نقص الخدمات الأساسية.

ويرى أستاذ العلوم الاجتماعية سعيد بنيس أن هذا الشكل الاحتجاجي ينهل من طبيعة العلاقات الاجتماعية السائدة في الدواوير التي تنبني على التضامن والتماسك فيصبح معه السير على الأقدام إحياء وتقوية للرابط القبلي واللغوي والثقافي وتعبيرا عن الهوية الترابية وعن المصير المشترك.

وسيبقى الاحتجاج مشيا على الأقدام قائما -بحسب بنيس- ما دامت السياسات العمومية لم تلب ولم تستجب لمنظومة القيم المادية المنشودة من طرف المواطنين والسكان، ولأن الوعي بالتنمية المحلية وكذلك بمقومات العيش الكريم أضحى وعيا متقدما عند الساكنة القروية.

المصدر : الجزيرة