السعودية.. صناعة الأزمات المفتوحة

الكاتب الأميركي المتخصص في شؤون الدفاع باتريك كوكبيرن وصف الرئيس الأميركي وولي العهد السعودي بأنهما أخطر رجلين في العالم (رويترز)
الكاتب الأميركي المتخصص في شؤون الدفاع باتريك كوكبيرن وصف الرئيس الأميركي وولي العهد السعودي بأنهما أخطر رجلين في العالم (رويترز)
بعد أن تمكنت من حشد قادة نحو 54 دولة لحضور القمة الإسلامية الأميركية في مايو/أيار الماضي، فشلت السعودية قبل أيام في حشد أصوات ثلثي الدول العربية -معظمها حليفة لها- التي صوتت بالامتناع أو ضد قرار تبنته الرياض لإدانة انتهاكات إيران لحقوق الإنسان في الأمم المتحدة.

وبين الحدثين توقف مراقبون عند هذه المقارنة ليقيسوا ما اعتبروه زيادة في مساحة الضجر لدى حلفاء الرياض وخصومها العرب على حد سواء من سياساتها، بعد أن باتت تتقن إعلان الحروب، وافتتاح الأزمات، دون أن تجد طريقا لإغلاقها نتيجة الفشل في تحقيق أهدافها.
فقد صوتت كل من مصر والأردن والكويت والسودان وتونس وليبيا والجزائر والمغرب والصومال وقطر بالامتناع عن التصويت على القرار الذي عرض بالجمعية العامة للأمم المتحدة، بينما صوتت سوريا ولبنان والعراق وسلطنة عمان ضد القرار.

الفشل السعودي في هذا الملف، وصفه مراقبون بأنه لم يكن سوى مؤشر على سلسلة من الإخفاقات في ملفات المنطقة، لكنها أصبحت أكثر وضوحا في السنوات الثلاث الأخيرة مع صعود ولي العهد محمد بن سلمان، الذي ترجح مصادر غربية توليه مقاليد الحكم في بلاده قريبا.

 

السعودية الجديدة

وتزخر وسائل الإعلام الغربية والعربية ومراكز الأبحاث بالتقارير والتحليلات التي تتحدث عما تصفه بخطر السياسات "السعودية الجديدة"، داخليا وخارجيا، لدرجة التحذير من انهيار المملكة.
 
وتشير المصادر إلى تاريخ السياسة السعودية في "التخبط والفشل"، وأبرز الأمثلة عليه سياستها التي انتقلت من دعم العراق في شن حرب طويلة على إيران في ثمانينيات القرن الماضي، إلى فتح أراضيها لتحالف دولي خاض حربين ضد العراق عامي 1991 و2003، وبينهما حصار طويل انتهى بتدمير البلد واحتلاله، ثم قيادته من قبل أطراف سياسية تصنف على أنها أقرب في تحالفاتها لطهران من الرياض.
 
وتشير ثانيا إلى اليمن، حيث تقلبت السياسة السعودية من دعم نظام علي عبد الله صالح ومحاولة إدخاله مجلس التعاون الخليجي، لإطلاق مبادرة لعزله، ثم دعم الحوثيين في حربها على جماعة الإخوان المسلمين في سياق دعمها الثورات المضادة على ثورات الربيع العربي، إلى أن انتهت بالتحالف مع التجمع اليمني للإصلاح –تيار الإخوان في اليمن- في حربها على الحوثيين وصالح.
وفي الملف السوري، دعمت السعودية المعارضة بالمال والسلاح لإسقاط نظام بشار الأسد، لتنتقل اليوم لممارسة الضغوط على المعارضة السورية عبر مؤتمر الرياض 2 للقبول بمقاربة حل سياسي يقبل بالأسد.
 

احتجاز الحريري
أما لبنان، الذي يجمع مراقبون غربيون وعرب على أن الرياض سجلت فيه فشلا ذريعا في ملف استقالة رئيس الوزراء سعد الحريري، فتحولت الأنظار من محاولتها خلق أزمة لإيران وتحجيم دور حليفها حزب الله، إلى أزمة "احتجاز" الحريري، وانتهت بأزمات للرياض مع بيروت وبرلين، إضافة إلى شعور حلفائها اللبنانيين بالإحباط نتيجة تعاطيها الذي اعتبروه مهينا مع زعيمهم.

 
ووفق محللين، فإن الدور السعودي في لبنان مثال على فشل السياسة السعودية، التي انتقلت فيه من دور الراعي لاتفاق الطائف الذي أنهى سنوات الحرب الأهلية، مما منحها علاقات متميزة مع كل الأطراف اللبنانية قبل ثلاثة عقود، إلى دعم مناوئي إيران سياسيا والتأثير في القرار اللبناني، لتصل اليوم لإضعاف هذا الدور عبر أزمة الحريري الأخيرة التي أحدثت شرخا في معسكرها لصالح خصومها من حلفاء طهران.

وقبل لبنان كانت السعودية رأس الحربة في الأزمة الخليجية وحصار قطر، التي أضعفت مجلس التعاون الخليجي، وبعد ستة أشهر لم تحقق السعودية أيا من أهدافها من الأزمة التي حذر أمير الكويت الشيخ صباح الأحمد الصباح من أن تؤثر على آخر أشكال التنسيق العربي المشترك والمتمثل في مجلس التعاون الخليجي.

 
ويختصر المحلل السياسي اللبناني قاسم قصير أزمتي السعودية في قطر ولبنان بأنهما "شكلتا انتكاسة جديدة للسياسات السعودية الخارجية، وكما خسرت السعودية قطر كحليف أساسي، ها هي باتجاه خسارة دورها وموقعها في لبنان".
 

انهيار السعودية

موقع إنترسبت الأميركي حذر في مقال له أمس الأحد من انهيار السعودية "بسبب عدم كفاءة قيادتها"، وتخبطها في سياساتها الخارجية، رغم امتلاكها مقدرات القوة الإقليمية.
وقال الموقع إن بوادر هذا الانهيار البطيء بدأت الظهور بسبب ما تعانيه السعودية من تخبط سياسي، في ظل قيادة ولي العهد الأمير الشاب محمد بن سلمان، وإن أبرز هذه المظاهر انزلاق السعودية إلى مستنقع الحرب الكارثية في اليمن.
 
والملفت إشارة الموقع إلى أن السعودية تعلن عن نهج جديد في التعامل مع إيران في وقت تنجح فيه الأخيرة في إيجاد أحزاب ومليشيات متحالفة معها تؤثر بشكل كبير في عدد من دول المنطقة، بينما تزيد السعودية من أعدائها من السنة أنفسهم من خلال شنها الحروب على الإخوان المسلمين والحركات الصوفية.
وفي يوليو/تموز الماضي، نشر الكاتب الصحفي الأميركي المتخصص في شؤون الدفاع باتريك كوكبيرن مقالا في صحيفة الإندبندنت البريطانية قال فيه إن محمد بن سلمان "يعد مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب أخطر رجلين في العالم، خاصة مع التصعيد غير المسبوق ضد إيران"، مشيرا إلى أن "الثنائي تسبب في عدم استقرار منطقة الشرق الأوسط بشكل لم تتعرض له من قبل، وأن كلاهما يشترك في اتخاذ مواقف شديدة التهور والعدائية".
 
وأضاف كوكبيرن -في المقال الذي أعاد نشره موقع "دي دبليو" الألماني- أن "المخابرات الألمانية ذكرت أن المملكة اعتمدت سياسة تدخل متهورة في الملفات الإقليمية والدولية، محذرة من سذاجة الأمير محمد بن سلمان السياسية".
وتختصر صحيفة لوموند الفرنسية في تقرير نشرته أمس الأول السبت تشبيه السياسة الخارجية السعودية الراهنة التي تتنقل بين التخبط والفشل بأداة الصيد الأسترالية "البومرانغ" التي ترتد إلى مطلقها إذا لم تصب الهدف، حيث ترى أن حصيلة السياسة السعودية في أزماتها الأخيرة -خاصة لبنان واليمن وقطر- ارتدت عليها بأزمات أكبر.
المصدر : الجزيرة + وكالات + الصحافة الأميركية + الصحافة البريطانية

حول هذه القصة

المزيد من أحزاب وجماعات
الأكثر قراءة