عـاجـل: واس: التحالف يعلن تشكيل لجنة مشتركة بين السعودية والإمارات لتثبيت وقف إطلاق النار بشبوة واليمن

"حياة".. حكاية ميلاد بعد استشهاد

محمد عمران-غزة

توزع زوجة الشهيد أحمد أبو عرمانة نظرات عينيها بين ابنتها الوليدة "حياة" وبين صورة زوجها الذي قضى بنفق للمقاومة استهدفه الاحتلال الإسرائيلي بالقصف قبل أيام.

وبين النظرتين أحاسيس متضاربة يمتزج فيها ألم الفراق بأمل الحياة، وتختلط فيها دموع حارة لحرقة الحرمان من الزوج -وللأبد- بدموع باردة فرِحة باستقبال المولودة.

وكلما انكب الحزن على قلب الزوجة المكلومة وبدأ جسدها يرتعش ودموعها تسيل من مآقيها، تهرع لاحتضان مولودتها، فتتغير تفاصيل وجهها وتهدأ نفسها، وكأنها عادت إلى الحياة بعد موت كاد يفتك بها.

إنها "حياة" التي لها من اسمها نصيب، فهي التي ولدت بعد ساعات من استشهاد والدها، وآثرت العائلة أن تطلق عليها هذا الاسم، لتمنحها أملا بالحياة مقابل يقين الموت، وكأنها رسالة سماوية من الذي خلق الموت والحياة.

الصغار احتفوا بمقدم أختهم ولم يدركوا أن أباهم استشهد (الجزيرة)

ومن على سرير الاستشفاء حيث ترقد أم "حياة" بعد إجرائها عملية ولادة قيصرية، تبعث رسائل اطمئنان وتنثر كلمات الأمل لأقاربها وزوارها. وبدلا من مواساتها باستشهاد زوجها وترملها يجدوا أنفسهم أمام امرأة تجعل من ابتسامة صغيرتها التي بالكاد تظهر مدادا لمواصلة الحياة.

رسالة تحدٍ
وكلما حاول أحدهم أن يشد من أزرها ببعض الكلمات ليعزيها في مصابها تقاطعه بابتسامة خفيفة لتبلغه أنها في موقف تهنئة بالوليد وليس تعزية بالشهيد، فمثلما أطفأ الموت شمعة أضاءت "حياة" كل الدنيا.

وفي حديث إلى الجزيرة نت تتساءل الأم: لماذا أسميتها حياة؟ لتجيب: حتى لا يحدثني أحد عن الموت، مضيفة "هذه الصغيرة أزاحت عن صدري الجزء الأكبر من الهم والحزن ومنحتي قبلة الحياة بالوقت المناسب".

وبينما لا تخفي الأم أن تسمية "حياة" يحمل رسالة تحد للاحتلال بأن الفلسطينيين يواجهون الموت بالحياة، فإنها على يقين بقدرتها على تجاوز التحدي الكبير الذي فُرض عليها بعد استشهاد زوجها للقيام بدور الأب والأم.

زكية أبو عرمانة جدة المولودة: ولادة "حياة" تمثل بشرى خير وهبة من السماء (الجزيرة نت)

ورغم إدراكها لصعوبات الحياة بعد ترملها، لكن الأم تستشعر بأن مولودتها الجديدة ستخرجها من ظلمات الحزن إلى نور الأمل "فإذا كان الوقت بين الاستشهاد والميلاد قصير، فإن الفرق بينهما كبير" وفق قولها.

الحزن والرضا
وعندها خروجها من المستشفى وعودتها لمنزلها بمخيم البريج وسط قطاع غزة، بدأت الأم في احتضان فلذات أكبادها رانيا ومحمود وريتال، في حين حملت والدة الشهيد الستينية زكية أبو عرمانة حفيدتها الجديدة وقبلتها وهي تخفي حزنا ممزوجا بيقين أن الله أخذ فلذة كبدها لكنه منح العائلة كلها "حياة".

وما إن جلست الجدة على الأرض حتى اندفع الأحفاد إلى حضنها، يتساءلون ببراءة عن والدهم الغائب وشقيقتهم التي حضرت، أين هو ومن هي؟ لتبلغهم بكلمات قلائل لم يدركوا معناها "والدكم في الجنة عند ربه والصغيرة هذه أختكم".

وفي غمرة حديث الجدة للجزيرة نت عن إحساسها بأن ولادة "حياة" تمثل بشرى خير وهبة من السماء لاستمرار الحياة بعد الشهادة، كان الصغار يقفون أمام صورة كبيرة لوالدهم لالتقاط بعض الأقارب صور لهم، من دون إدراك حقيقة ما يجرى حولهم، خصوصا وأن البنت الكبرى لم تكمل عامها الخامس.

المصدر : الجزيرة