العراق.. صحفيون تحت سطوة قوانين العشيرة

هل شاهدت التصميم الجديد لصفحتنا الرئيسية؟

العراق.. صحفيون تحت سطوة قوانين العشيرة

الصحفي سرمد القيسي أثناء إجراء مقابلة مع سائقة سيارة أجرة ببغداد (الجزيرة)
الصحفي سرمد القيسي أثناء إجراء مقابلة مع سائقة سيارة أجرة ببغداد (الجزيرة)

الجزيرة نت- بغداد

بات الصحفي العراقي اليوم كمن يسير وسط حقل من ألغام تتنوع بين سياسية وعشائرية ومذهبية. ولا يكاد ينجو من لغم حتى يقع في آخر، وكان آخر ضحاياها الصحفي سرمد القيسي.

بدأت القصة حين أنجز القيسي تقريرا عن امرأة تعمل سائقة لسيارة أجرة في شوارع بغداد، وكانت الصورة التي نقلها عنها في تقريره إيجابية -كما يقول للجزيرة نت- وتلقفتها عشرات الصفحات على مواقع التواصل. لكنه فوجئ قبل أيام باتصال من بعض أقاربها يهددوه بالقتل بسبب ما اعتبروه "إهانة" لأعرافهم وتقاليدهم العشائرية.

واضطر الصحفي في بلد يعاني من حوادث قتل عشوائية و"تعثر" للقانون في معاقبة المجرمين إلى مغادرة منزله ومنطقته نحو جهة مجهولة، خوفا على حياته وأسرته من عملية قتل غادرة ربما تقيد ضد مجهولين.


الصحفي سرمد القيس تعرض للتهديد بالقتل بسبب إنجازه لتقرير عن امرأة تقود سيارة أجرة ببغداد (الجزيرة)


ويؤكد القيسي من مكان إقامته الجديد أن المرأة المذكورة هي من طلبت منه عمل تقرير عنها، وقد حرص من جانبه أن يقدمها بشكل مشرف، لكن يبدو أنه خرق بتقريره هذا "تابو" العشيرة دون أن يدري. والأدهى أن فضائية "الشعب" -التابعة للنائب مشعان الجبوري- التي يعمل بها لم تسانده في محنته مما اضطره لإنهاء عمله بها.

ويقول القيسي" كنت أتمنى أن أرى منهم موقفا أكثر جرأة ووفاء، لكن يبدو أن سطوة العشيرة أصبحت تخيف حتى من يزعمون دفاعهم عن حرية التعبير".

حملات تضامنية
ما حصل للقيسي دفع صحفيين لمساندة زميلهم عبر وسم في موقع فيسبوك حمل عنوان "متضامن مع سرمد القيسي" عبروا فيه عن وقوفهم إلى جانبه، وطالبوا السلطات الأمنية بالتدخل لحمايته وتقديم المتهمين للعدالة.

كما أعلنت مراكز حقوقية تضامنها ووقوفها مع القيسي، من بينها المركز العراقي لدعم حرية التعبير الذي وكل محاميا يتابع مجريات الشكوى التي تقدم بها للقضاء ضد مهدديه. ووفقا لعضو المركز زيد شبر فإن عام 2017 شهد 127 حالة تهديد بالقتل، تعرض لها صحفيون عراقيون، من بينها تهديدات لأسباب عشائرية.

ويضيف شبر للجزيرة نت أن بعض السياسيين باتوا يلجؤون إلى طرق جديدة للضغط على الصحفيين، من بينها تكليف شيوخ عشائر "وهميين" برفع قضايا ضدهم، بتهمة تهديدهم أو الاعتداء عليهم، وبذا استطاع هؤلاء الساسة إخراس الكثير من الأصوات المعارضة لهم، ووضع خصومهم في قفص الاتهام.

ويتهم صحفيون عراقيون نقابة الصحفيين بالتقاعس عن الدفاع عنهم، وعدم الوقوف إلى جانبهم في مثل هذه القضايا، حيث يندر أن يصدر عن النقابة بيان تعلن فيه إدانتها للتهديدات والاعتداءات التي يتعرض لها منتسبو السلطة الرابعة في البلاد.

دولة داخل الدولة
ويرى عراقيون أن العشائر باتت تشكل "دولة داخل الدولة" في بلدهم، حتى إن الحكومة تتردد كثيرا في التعاطي مع مشاكلهم، خوفا من خسارة قواعد انتخابية مهمة.

صحفيون عراقيون يتهمون نقابة الصحفيين بالتغاضي عن التهديدات التي يتعرضون لها (الجزيرة)



ولا يكاد يمر أسبوع في العراق دون تسجيل حوادث من هذا النوع، كان من أشهرها تعرض كادر برنامج "ولاية بطيخ" الكوميدي إلى تهديد من إحدى عشائر الجنوب في فبراير/شباط الماضي، وذلك احتجاجا على ما اعتبروه تناولا "غير لائق" لأحد شيوخهم، وطالب المهددون فريق البرنامج بدفع مبلغ 250 مليون دينار عراقي (مئتي ألف دولار أميركي) تعويضا لهم.

وتعرض منزل مقدم البرنامج علي فاضل حينئذ إلى هجوم مسلح، مما اضطره للجوء إلى مكتب الصدر طالبا التوسط لحل الخلاف، فتم إنهاء الأزمة عبر تدخل المكتب وعشائر أخرى.

ويوجه المحامي مضر عطية اللوم للصحفيين الذين يصمتون عن التهديدات التي تصلهم، ولا يبلغون بها الجهات الأمنية أو القضاء، لأن ذلك من شأنه أن يشجع الجناة على المضي في عدوانهم، فالقانون يتعامل مع الصحفيين كموظفي دولة أثناء تأدية مهامهم، مما يجعل الاعتداء عليهم جريمة ضد الدولة وفق تعبيره.

ويعتقد عطية أن قانون حماية الصحفيين الذي أقر عام 2011 يضمن لهم حماية كاملة من تجاوزات رجال العشائر وغيرهم، لكن معظم المؤسسات الإعلامية تفتقر إلى الثقافة القانونية التي يفترض أن تشكل لهم درعا ضد الاعتداء والابتزاز.

المصدر : الجزيرة